الضمير وفلسفة الاعتراف.. قراء في رواية «ضمير المتكلم» لفيصل الأحمر

الضمير وفلسفة الاعتراف.. قراء في رواية «ضمير المتكلم» لفيصل الأحمر

أميرة بوغرارة

“قد أكون رجلا متعبا مرهقا يقول أي كلام، أرهقه الضمير فصار يتكلم، لا أدري لماذا سموه ضمير المتكلم؟ هل فكرت في الأمر من قبل؟”

غسق الحكاية: ضمير المتكلم

رواية جمعت عدة تواريخ وأحداث ووقائع في قالب سردي مغاير ومختلف يتوزع على فصول أو ليال: الليلة الأولى، الليلة الثانية… يشبه حكايات ألف ليلة وليلة ويختلف معها في مضامينها ولغتها المعاصرة وهمومها الحالية. هذا التشكيل السردي يصور لنا الواقع الذي عاشته الجزائر منذ فترة العشرية السوداء إلى غاية بداية الحراك..، واقع مرير غير مستقر مرت به البلاد في تلك الفترة و”لكن البلاد لم يحدث لها أن استقرت… لا بلاد في العالم مستقرة. حالة الطوارئ الوحيدة الواردة هي غياب حالة الطوارئ، نحن في حالة طوارئ منذ قرون… تعودنا عليها وصرنا نخشى أن نخرج منها ” فالتاريخ استمرار لها، هو استمرار لوطن يصارع كل مقومات الانهيار لعله يخرج من قوقعة النصب والاحتيال والصراع وكل أشكال اغتصاب الهوية وفقدان الضمائر، لعله يصنع مصيرا مختلفا، يحاول أن يبني دولة ذات ملامح لتتخلص من كل تبعيات السلطة والسياسة، أو السلطة السياسية العالم ثالثية المتخلفة… ولكن إلى أين المفر؟ 

هل نستطيع حقا أن نبني وطنا بعيدا عن الذوات المتشظية للقلق والاضطراب؟

 لم لا؟ تقول، يقول صوت خافت ما داخل الرواية، أم تراه صوتنا نحن يرجع صداه داخل الرواية… لك؟ لا، إذا بحثنا عما يحرك ضمائرنا، إذا جعلنا ضمير المتكلم ينطق، ساعتها ستظهر الحقيقة التي ستوقف كثيرين عن مساراتهم الخاطئة، وهكذا لن نخضع لا للسلطة الزائفة ولا لقوانينها. 

كم ضميرا يختفي خلف ضمير المتكلم؟

هذه الرواية البولوفونية التي قدمت لنا الوطن في فترة ما وهو يسرد لنا واقعه وتاريخه، حتى وإن كان واقعا بائسا يغري بالصمت – مستعينا بضمير المتكلم. هو الضمير الذي طغى حضوره في الرواية وكان اختزالا لكل الضمائر فلم تقتض هيمنته حضور شخصية واحدة أو صوتا منفردا بل تعدد بها الرواة والشخصيات وكذلك الأصوات السردية، وقد وفق الكاتب في توظيف هذا فتوزعت الشخصيات على الليالي بدءا بالمصور، ثم الفايح، السينيمائي، المؤرخ، ذو الكأسين، أبي بن سلالة… وقد جعل الروائي من غسق الحكاية مقدمة لها ثم اختتمها بنهايات لليل الحكاية الذي لا ينتهي…وكل ذلك في بناء سردي فعّال ومثير وغير مسبوق على المستوى الشكلي.

وقد دارت الرواية حول عدة محاور متناولة عدة مسائل كالتعليم والفساد والتجسس والخيانة والقتل والاستعباد والعقاب… هذه الأنظمة الفكرية تكاثفت لتشكل لنا بيئة اعتراها السوء الذي خلفه الاستعمار فكان كل هذا يحيط بمجتمع عاش تحت وطأة الأنظمة السياسية الفاسدة التي جعلت من الجزائر منظومة قائمة على الاضطهاد دون إدراك ذلك، وربما يكون من فعلوا ذلك إنما كانوا يحسنون عملا أو يظنون أنفسهم يفعلون. وقد استعان الكاتب في الكشف عن هذا بعدة شخصيات ككاتب السيناريو والمنتج والشرطي والمستشار الإعلامي والإذاعي ورجل الأعمال والمدرس والمنشط الثقافي وحتى مروج المخدرات… كل هؤلاء كانوا غارقين في مياه عكرة سببتها تجاذبات التيارات السياسية التي كانت تحيط بهم. وهذه الشخصيات لم تكن تشارك كثيرا في الحوار بل كانت مستمعة فقط وهذا ما  يجعلها قابلة لتعدد قراءتها وتأويلها، فالشخصية عادة ما تندمج في نسق الحكاية لكن هذه الشخصيات كانت عبارة عن ذوات متشظية بسبب الخوف من الواقع الذي يهدد آمالها، خوف من محاولة العيش التي قد تقودها إلى الفقد.

ومن هنا جاءت فكرة دعوتنا للتفكير في الرواية من زاوية فلسفة الاعتراف التي هي مشروع فلسفي معقد لن نخوض فيه، ومكتفين بالاشارة إلى أن الفلاسفة المعاصرين قد اقترحوا فعل “الاعتراف كحل للمشاكل السياسية للعالم الذي نعيش فيه الذي يقدس القوة والهيمنة وإثبات الذات على حساب سحق الذوات “الأخرى” في منطق أحادي لا يسمح للضمائر الأخرى بالظهور، ولا يسمح للعالم بالتعبير عن نفسه أصلا من أجل تحقيق تذاوت – كما يقول الفلاسفة- يمكن الأنا من الانفتاح على الآخر وتحقيق التواصل الذي هو فعل انفتاح للذات المعذبة على ممكنات حياة أوسع من الإخفاق الذي نحققه على حدة قريبا من ذاتنا وبعيدا عن الذوات الأخرى التي هي الهندسة النائية للبؤس المذكور أعلاه.

 وقد برزت جيدا شخصية “الشيخ” التي تخاطب الضمائر بصيغ مختلفة، دون أن ينبس ببنت شفة، وهذا تحد كتابي كبير يحتاج اكثر من وقفة، وقد كان لهذه الشخصية الدور الأساسي في توجيه الخطاب؛ من خلال الانسحاب خطابيا… أما “زهور” و”دلال” فهما تمثيلان لجزائر جديدة يريد كل واحد منا أن يصل إليها، فـــ”زهور هي المكان والزمان والواو الذي بينهما” فقد أحبها الشيخ لأكثر من عشرين سنة لكنه لم ينلها، بقي حبه مؤجلا. ربما مصير المحبين كان هكذا في ذلك الوقت. 

 كانت هذه الشخصيات كالأرواح الشاردة المنتقلة من مكان لآخر لا مكان ثابت لها، تأخذ معها آمالها وطموحاتها لكنها تصطدم بالواقع البائس للبلادالذي ساهمت كلها مجتمعة في هندستها، لتعود أدراجها… نعم لقد “عدنا إلى ذلك المكان الذي شهد لقاءنا الذي ظنناه أبديا… ولكن أشياء كثيرة لم تستطع أن تعود معنا”. إنه اعتراف العاشق الذي ضيّع امرأة فضيّع وطنا وحياة. 

عاشت هذه الشخصيات في حيز جغرافي تملؤه مخلفات الاستعمار التي ضغطت بشدة عليه ولا زالت كذلك “فالاستعمار غلبنا بعد خروجه أكثر مما غلبنا وهو داخل الحدود يستولي على الأرض وخيراتها”. لقد استولى الاستعمار علينا فحاول الوصول حتى لضمائرنا.

“حينما كنا محتلين كانت مشكلتنا مع عدو وجهه واضح وملامحه بينة لا تخطئها العين. أما بعد الاستقلال يا الشيخ العزيز فقد صرنا نحارب الأشباح” ولازلنا نطارد الأشباح التي أصبح مصير كل جزائري متعلق بها لقد خطف الاستعمار ذواتنا وحينما أردنا البحث عنها تهنا.

حياة الضمائر.. من الذات صوب الفضاء العمومي

قدم الكاتب عدة توصيفات للواقع الذي نعيشه فكانت له رؤية مختلفة للحياة وهذا ما أدى إلى اختلاف وجهة نظره حول الأشياء، فقد قال بأن كرة القدم في الجزائر مثلا، كانت تشبه ميثولوجيا حقيقية، كانت مستعدة لإعطاء كلها لكنها لم تقم بذلك، أما التصوير فكان كرياضة الأيكيدو، يحاول ابتلاع كل الطاقات ليستخدمها لصالحه، أما الزمن فهو كالحب ظاهرة جماعية نعيشها بمفردنا موجهة للآخرين وتنطق فقط بضمير المتكلم لأنه هو الضمير المهيمن الذي له حرية القيام بما يشاء وكيفما يشاء.

 أما “الصور فتنبئك عن الوقت وفلسفة الحياة أكثر مما ينبئك فيزيائي راسخ في الفهم كأينشتاين أو كبار الفلاسفة” فالصور هي الحقيقة الوحيدة وسط مخادع الحياة. كل هذا أخذناه بمحض الصدفة فوجدنا أنفسنا أمام مفهوم مختلف للصدف “فهي قانون من قوانين الطبيعة حتى العلم يؤمن بها. في البيولوجيا وفي الفيزياء الفضائية توجد حسابات للصدفة” لا يوجد ماهو أفضل من الصدف التي كان البعض لا يؤمن بها ولكنهم كانوا يؤمنون بالسلطة… وإذا مر الزمن عليها تحولت إلى ذكريات وهي: 

“عدو لدود لرجال الأمن وللمخبرين خاصة. هل تعلم لماذا يا الشيخ؟ لأنها تؤدى إلا عن طريق ضمير المتكلم”، لقد كان له ذاكرة قوية “فالذاكرة التي دورها عند الناس هو النسيان للتخفيف من وطأة الأشياء، تعمل عندي بشكل مختلف تماما”.

خلاصة مسار الذوات المعذبة التي تستعين بضمير المتكلم لكي تحقق فعل الاعتراف، هي أن هذه الشخصيات قد نجحت بعد أن أخفقت في كل شيء في خلق إمكانية “فضاء عمومي” – وهو من مقولات فلسفة الاعتارف-… فضاء يسمح بالالتقاء بالآخرين ولو من دون لقاء… لقاء ربما تمثله ولو رمزيا الرواية نفسها… الرواية أو “بيت الشيخ” الذي يشبه تماما غرفة الاعتراف حيث يذهب المسيحيون للإدلاء بما اقترفوه من ذنب بحثا عن الخلاص والدخول إلى الفردوس… لفردوس: ذلك الفضاء العمومي الذي يحقق مبتغى الشخصيات كلها: التخفف من الماضي وسعادة راحة الضمير وتجديد الذاكرة …

   لقد عاش ضمير المتكلم بنسخته الفريدة المنفردة…لا يسعنا المقام لنتقصى كل هذه المفاهيم فهذه الرواية كانت النافذة التي أطل من خلالها الكثيرون على حكايات الجزائر من بداية السبعينات وصولا إلى الألفية عرفنا من خلالها جوانب كثيرة كوضع السينما العالمية والعربية في تلك الفترة ، الأسماء الدقيقة لبعض الأفلام العالمية “هذا فيلم بوليسي لكلينت إيستوود…”، بعض التواريخ الكروية “أعوام الكرة الإيطالية 1982: النهائي الإيطالي، الموسيقى العالمية التي كانت حاضرة في تلك الحقبة “كل الناس أحبوا مايكل جاكسون، ساندرا ومادونا والمهرج پرينس “التواريخ الدقيقة لبعض الأحداث “. 

نهايات لليل الحكاية الذي لا ينتهي

 هل ليل الحكايات ينتهي؟ هل نستطيع العيش دون وجود سرد في حياتنا؟ هل يصمت ضمير المتكلم إذا انتهت ليالي الرواية؟ الضمائر لا تصمت فإن قامت بذلك ماتت ذواتنا وكذلك السرد، قد تختفي الشخصيات أو تحترق لكنها لا تموت “لقد شب حريق مهول حرق كل البائسين الذين جاؤوا ينقذون من النار وثائقهم والتاريخ الذين كانوا شهودا عليه.”… النار هي ما يهدف إليه فعل الاعتراف، ولكنه فعل يطفئ النار ولا يشعلها.

الصورة النهائية هي صورة ذلك المواطن الجزائري الذي بقي يسعى لينقذ نفسه وشخصيته وأحلامه ومستقبله… لقد استمر إلى آخر نفس له وهو يحاول إنقاذ ذلك التاريخ الذي ضاع منه لسنوات، ولربما احترق التاريخ لكن التفاصيل بقيت لتوقظ ضمير المتكلم. 

ليل الحكايات قد لا ينتهي، فالنفس تتعطش للقصص الجديدة تود أن تحطم بها مآسي الوحدة التي تكتنف الإنسان، والأحداث لا تتوقف في ليلة من الليالي لأن قصة هذا الوطن صراع دائم مع ضمير المتكلم وجهاد للنفس البشرية التي تحاول دوما أن تخرج من دوامة المأساة.


أميرة بوغرارة ناقدة جزائرية من مواليد 1997، باحثة في النظرية النقدية، وأكاديمية بجامعة محمد الصديق بن يحي جيجل في الجزائر .

تشتغل على مشروع دكتوراه مقدم حول: تحولات المنهج في التفكير النقدي عند عبد الملك مرتاض. نشرت عدة دراسات ومقالات نقدية. لها مخطوط قيد النشر بعنوان: «الشعر العربي المعاصر والاستراتيجيات الحجاجية».

فيصل الأحمر الأحمر روائي وشاعر وأكاديمي جزائري. مواليد 1973. من مؤلفاته: «رجل الأعمال» – رواية 2003، «الدليل السيميولوجي» – دراسة 2009، «وقائع من العالم الآخر» – قصص من الخيال العلمي 2002، «أمين العلواني» – رواية 2008، «مساءلات المتناهي في الصغر» – شعر 2007، «مجنون وسيلة» – شعر 2014، الرغبات المتقاطعة» – شعر 2017، «قلّ..فدلَّ» – شعر 2017، «معجم السيميائيات» – دراسة 2010، «مدارج التدبير ومعارج التفكير» – دراسات في الخيال العلمي وفلسفته 2017، «خرائط العوالم الممكنة» – دراسة في الخيال العلمي 2018، «النوافذ الداخلية» – رواية  2018، وغيرها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.