ترجمة: عاطف محمد عبد المجيد
اللوحة: الفنان النيجيري جون أوجبيتا
صار لظلي نهدان قبل أن يصيرا لي.هذا ما جعلني ألاحظه، ﭼورﭺ حين كنا نلعب في الشارع حال عودتنا من المدرسة، ﭼورﭺ هو أخي التوأم، ليس هناك شبه كبير بيننا، وإن كنا قد وُلدْنا في ساعة واحدة، ودقائق فقط تفصل بيننا.
طفلان دفعةً واحدة، كان هذا حدثًا في محيط العائلة.خبر جيد رغم كل شيء، ما دام ﭼورﭺ قد وُلد صبيًّا. خرجتُ أنا الأولى.قالت مُولّدة المستوصف لأمي:”بنت أخرى”. كنت أنا الرابعة.حين تأكدَ أن هناك طفلًا آخر ينتظر دوره كي يُولد، حلّت هناك، على ما يبدو، لحظة كرب، لكنها سريعًا ما انقشعت ما إن رأوا جنس المولود.
لي أن أقول إنني منذ أن كنت في سن يسمح لي أن أفهم العالم، شعرت بسرعة أنني لمْ أكن شيئًا سوى أخت ﭼورﭺ، تلك التي لازمَتْه طيلة شهور الحمْل التسعة في بطن أمنا. كان هذا، بلا شك، أثناء ذلك التعايش الممتد إذ كان مرتبطًا بي.كل الاهتمام الذي لم أتلقّاه من والديّ، قدّمه لي أخي أضعافًا مضاعفة.أنا نصفه الذي كان يرفض في غيابي وهو صغير أن ينام أو أن يشرب عصيدته من الذرة البيضاء. لقد بلغ حنانه أن أعطاني قيمة حقيقية في عيون الجميع.هكذا كبرتُ سرًّا، متعلقة بأقدامه، صامتة ووديعة في قاع وجوده.يفوقني قامة وفصاحة، إذن من المنطقي جدًّا أن يكون هو من يتحدث ويقرر لنا نحن الاثنين.ولمّا لم أكن أتحدث قط، كانت الألسنة السيئة تقول إنني حمقاء بعض الشيء، ” Igicucu “. في المدرسة، كان المعلمون دائمًا ما يحرصون على ألا يفصلوا بيننا: ﭼورﭺ وأخته جنبًا إلى جنب على مقعد واحد حين كانوا يُمْلون علينا حروفًا لنكتبها على السبورة، ﭼورﭺ في الفناء أسفل العلَم ليغني النشيد الوطني، وأخته تمكث دائمًا خلفه، نبرة أكثر انخفاضًا.ثم كانت هذه النهاية ليوم من أيام يونية على الطريق اليابس المحاط بأزهار التيوليب.كنا نتابع ظلّيْنا، وكان يجب، حسب تعليمات ﭼورﭺ، أن نسحق الرأس أو الأيدي، السيقان أو صدر الآخر.تعجب ﭼورﭺ ” انظري..ظلكِ له نهدان! ” ما قاله كان صحيحًا، لم يكن هذا أحد الأحجار الضخمة أمغر اللون، في طريق كان يطول انعكاسي.أنزلتُ عينيَّ إلى صدري المستوي – كنت متأخرة نسبةً إلى من هنّ في مثل سني من الفتيات – متفاجأةً أن أتأكد أن جسدي لم يكن أصلًا ليتحول.رأى ﭼورﭺ خيبة أملي.أمسك بيدي قائلًا: “لا تقلقي..قريبًا سيأتي دورك.أأنت تنتظرين أن يتغير صوتي، من أجل هذا!”. طلبتُ منه ألا يحكي شيئًا في البيت.لحظتئذ وصل العم ديدا وقام بتوصيلنا إلى البيت على “شنطة” دراجته. حين وصلنا، أرسلونا لإحضار الماء من الصنبور الذي رُكّب حديثًا في مدخل المركز التجاري.كان علينا أن نسرع قبل أن يحل الليل علينا، رحنا ركضًا، وفي العودة لمّا كان عليّ أن أحترس لناحية الرأس اليمنى كي لا أدع القِرْبة الثقيلة من البلاستيك الأصفر تسقط، والتي كانت تستند عليها في توازن متقلب، لم أتمكن من تفحّص ما إذا كان النهدان الوهميتان موجودتان دائمًا أم لا.لقد نسيت هذه الرُّقية المؤذية. بعد عدة أسابيع، حين كان ظلي يستعيد هيئته المعتادة، هذا يعني في صورتي، نموذجه، أخيرًا ترك صدري انتفاخين خجولين يبرزان.قيل ميلاد قرية نمل.كنت أرى مَطّ جلدي، يشبه تُربة صلبة حمراء اللون عقب عاصفة، متساءلةً أي كائنات صغيرة داخل جسدي كانت تعمل في بناء هذه الأعضاء الجديدة. حدث هذا حين راح ظلي يظهر من جديد، بعد وقت قصير عاد نهداه، كسلحفاة تختبيء داخل قوقعتها.أدركت أنه كان لديه الوقت ليتقدم عليّ، في حياتنا.عاد نهداي وخرجا مرتين، دائمًا أسابيع عديدة بعد أسابيع ظلي.رحت أراقبه، خاصة في نهاية اليوم الذي كان يتمدد فيه بإفراط ويبدو وهو يحتقرني في صمت.لكني كنت بعيدة عن أن أتخيلني هذا الذي يتتبّع.آنذاك، كان لا يزال يرتكز على كل حركاتي، وحين استقر نهداي بشكل قاطع، قلت لنفسي إننا كنا نذهب للعثور على التوافق المطلق في ما مضى.انقضت شهور عديدة، أتذكر أن هذه كانت بداية موسم الأمطار الكبير. ذات مساء، وأنا أخلع ملابسي في ضوء مصباح زيتي، استعاد تسلله.بدلًا من أن يتعرى تمامًا كما أفعل، رأيته يُدْخل يده في سرواله، وبعد كسر من الثانية، سحب منه مستطيلًا سميكًا، وضعه في جراب صغير كان يمسك به في يده الأخرى وراح يفتش في الدولاب عن مستطيل آخر أدخله بين فخذيه.ثم خرج، دون أن ينظر إليّ. انتابني الخوف.
منذ ليلتئذ، راح ظلي ينام في حجرة أخواتي، في حين أنني واصلت مشاركة ﭼورﭺ في حجرته، ﭼورﭺ الذي عاهدته ألا يحكي شيئًا.على أية حال، لم يبدُ أن أحدًا لاحظ هذا الغريب العجيب.كنت أغير بشدة من هذا الكائن الذي سيستقل عني في ما بعد، ليلاً، أغير من وضعه الجديد كإمرأة، من نظرته ومن صوته الحازمين، اللذين كنت أتخيلهما حين كان يتحدث مع ظلال أخواتي الكبار.حين كان المطر يتوقف عن نقْر صفائح الأسطح الحديدية، كنت أسمع الحوار المتواصل للكلاب التي كانت تحرس قطعة أرضنا.كنت أتصور أن هناك لغة أستطيع أن أتحدث بها مع ظلي، أَسُبّه، أتوسل إليه أن يرتبط بي.لكن لم يكن ممكنًا لنا أن نتحاور، ونُسجتْ حولي عزلة سرية، كهالة غير مرئية، وحدها الشمس فقط التي تتعرف إليها. في ظهيرة أحد أيام شهر يولية، أثناء عودته من بستان الموز، وضع أبي ساطوره بجوار حائط المطبخ الطيني.بعد أن غسل قدميه، ذهب إلى الملهى الليلي في المركز التجاري، والذي لن يعود منه إلا مع حلول الليل.ذهب أخواتي برفقة أمي لزيارة قريبةٍ كانت تحتضر.وكان ﭼورﭺ يرعى بقرتنا في التل المجاور.أما أنا فكنت بمفردي في الفناء، أجلس على حصير.انتظرت حتى يبتعد أبي بالقدر الكافي لأتوقف عن عمل السلال.سمعت صوته البعيد الذي كان ينادي على أحد الجيران في الطريق، بعد شجرة الأكيدنيا العجوز، حين وقعت عيناي على الساطور المتروك. حدث كل شيء بسرعة.رفع ذراعيه، ظانًّا أنني سأضربه على رأسه.هل كان يتصور أنني كنت مستعدة لأن أجر جثته مقطوعة الرأس خلفي طيلة ما تبقى من أيامي؟ لقد قطعت في مستوى إخمص القدم.كان هذا نظيفًا ودقيقًا.ظِلُّ سحابة كان يمر لحظتها كنس جسده المنخفض، على تربة الفناء المتشققة، حيثما اختفى.دوّمت للحظة دمية من غبار.نفثت فيه من أعلى، بدلًا من الوداع، وراحت الحبوب تتناثر وقت زوال ضوء نهاية الظهيرة.لم أكن حمقاء جدًّا مثلما كانوا يتصورونني.

بياتا أوموبياي ميريس كاتبة شابة ولدت في رواندا في العام 1979، وتقيم حاليًّا في فرنسا. نشرت نصها «هذا التل الذي لم يغادرني» في العدد السادس والعشرين من مجلة “XXI” في ربيع العام 2014. أما مجموعتها الأولى «EJO» فقد نشرتها في العام 2015 عن دار نشر «La cheminante». كانت بطلات هذه المجموعة عدة نساء مأخوذات من الأوقات التي حدث فيها اضطراب في التاريخ الحديث لرواندا. هؤلاء النساء نجحن في تجاوز هشاشة ظروفهن بفضل قوة إصرارهن. بياتا تكتب لمناهضة العنصرية سواء أكان سببها اللون أو الجنس. أما عنوان القصة «Igicucu» فهي كلمة تعني «الظل» أو «حمقاء» باللغة المحلية في رواندا، وتُنطق إيجيتشوتشو.