إنذار خاطئ

إنذار خاطئ

د. هشام منصور

اللوحة: الفنانة الألمانية كاثي كولفيتز

مضت سنتان وبضعة أشهر على بداية الحرب العالميّة الثّالثة لم تكن بدايةً معلنة بقدر وضوح تطوُّر سير المعارك على الجبهات المختلفة.

فمن الحرب الوبائيّة إلى الحصارات الإقتصاديّة إلى نشر الفوضى العشوائيّة في مختلف بلدان العالم، كانت ملامح نظامٍ جديدٍ ترتسم على سطح كوكبٍ قد أنهى للتّوّ عامه المئة بعد أول حربٍ إتّفقوا على تسميتها بالحرب العالمية الأولى.

لم تكن تلك البقعة من الكوكب من الأكثر حظوة، فالسَّلطنة التي كانت تسيطر هناك كانت أسوأ المحاور التي خسرت الحرب وتمّ تقسيمها إلى ممالك وإمارات لم تقدِّم على مدى مئة عامٍ أيَّ إنجازٍ علميّ يستحقّ الذّكر. فاقتصرت إنجازاتها على بيع مقتنياتها وشراء المنتجات من خلف البحار، وقد شارفت مقتنياتُها على النفاد. فأصبحت نهايةُ القرن بدايةً لحربٍ جديدةٍ بالشّكل عتيقةٍ بالأفكار.

كان العامل النّفسيّ أحد أهمِّ عناصر تلك الحرب، بالأخص مفهوم العزل والإبعاد، في أبسط عناصر ومكونات المجتمعات، تحضيرًا لنشر ثقافة العوالم الإفتراضية التي لا قيمة مادّيّة لها سوى إبهاج العامل البسيط وإقناعه بصرف نتاجه بُغيَة اقتناص لحظات لذَّةٍ كان يستطيع الحصول عليها مجَّانًا في ساعةٍ من النَّوم الطَّبيعيّ والأحلام.

كان مجتمعه قد اعتاد على القلاقل ومختلف عوامل عدم الإستقرار، مما استلزم العدوّ اللّجوء إلى حرب أشرس ألا وهي الحرب الإقتصاديّة التي امتدت من الانقضاض على لقمة العيش وصولًا إلى افتراس الأمن الصّحيّ، وكأن هناك من كان يريد أن يجعل من سفر أيوب مسرحيّةً يوميّةً تصاعديّةَ الفصول. 

فإضافة إلى الوباء المتفشّي أصبحت الطّبابة ترفًا صعب المنال على شريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع.

  • نَفَسُه يتسارع يا دكتور، وتبدو عليه ملامح الازرقاق.

هكذا أنهى الوالد حديثه بقلق عند الظُّهر

  • أرى أن تتوجّه به توًّا إلى أقرب مستشفًى لمعاينته قبل التّوجُّه إلى بيروت خصوصًا مع قطع الطُّرقات السَّائد هذه الأيَّام
  • ألا تستطيع أن تعطينا دواءً نبدأ به في البيت فنحاول تفادي دخول المستشفى؟ أكمل الوالد القلق على ابنه

كان الطّفل يحمل مرضًا وراثيًّا استقلابيًّا محكومًا بالتَّدهور السَّريع بعد عمر السَّادسة، وإصابة الرِّئتين كانت من مؤشِّرات بداية النِّهاية.

كان الوالدان يعلمان هذا الأمر، ولكنَّهما كانا مجَهَّزين لنهايةٍ صامتةِ الدُّموع قرب سرير ٍفي مستشفًى يتمُّ فيه الوداع الأخير، وليس تدهورًا مستجدًّا في زمن الوباء والحرب.

  • سأبدأ عنده بالأدوية المضادَّة للإلتهاب طبعًا، ولكنَّ ذلك لا يغيِّر في الحاجة لدخول المستشفى وإجراء الصُّور والفحوصات وربَّما إعطاء الأوكسجين وسائر الأدوية عبر العرق. كرر مشدِّدًا على كلِّ كلمةٍ لِيَعِيَ الوالد خطورة الأمر
  • “العين بصيرة يا دكتور… “، أجاب الوالد بصوتٍ تخنقه العبرات وأكمل: “خلّيني روح جيب الأنتيبيوتيك وشوف أي نوع بْلاقي”

 كان يفهم لوعة الوالد، فكل المستشفيات باتت تطلب إيداعًا مسبقًا لمبلغٍ يقارب أحيانًا عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور مع تدهور قيمة العملة الوطنية وامتناع أي من القيمين عن اتخاذ أي إجراء، في بلد يُصنّف ثانيًا في العالم في امتلاك الذهب نسبةً إلى عدد السّكان.

هاتفه الوالد بعد ربع ساعة من الصّيدليّة التي عثر فيها على الدَّواء لكي يحصل منه على مقدار الجرعة فكرّر إلحاحه للوالد بالتوجه إلى أقرب غرفةٍ للطّوارئ.

كان يتوقع الأسوأ مع ذلك الطّفل اللّطيف الذّي شاهده يذوب كالشّمعة أمامه على مدى السّنوات السّت الماضية.

كلّما دقّ جرس هاتفه كان يعاين الرّقم قبل أن يجيب. كان قد حفظ رقم هاتف الوالد دون أن يحفِّظه لذاكرة هاتفه، لتشاؤمه من ذلك الأمر فيما خص مرضاه المزمنين.

عشرات المخابرات التي تلقّاها بخطيرها وبسيطها لم تنجح في محو صورة الطّفل من مخيّلته.

كان يكره تلك الحالة التّواتريّة التي تصيبه في ساعات القلق، ربّما لأنّها تنتهي دومًا بحصول المحظور، وكأنّ ملاكًا حارسًا يوشوش في أذنه منبّها إيّاه ممّا سيحدث في القريب العاجل.

  • “ربّما تحسّن الطفل انشالله” قال نهايةً قبل أن يشرع بالتّحضّر للخلود إلى النّوم.

كانت السّاعة بلغت الواحدة بعد منتصف الليل، وقد أطفأ محرّك الحيّ الكهرباء، فغرقت منطقتهم في الظّلام نظير باقي أحياء العاصمة التي لن تعاين النّور قبل إشراقة الصّباح.

لم يكد يلقي رأسه على الوسادة، إلّا واندلع صوت أغنية فيروز التي اختارها رنّةً لهاتفه ليملأ صمت اللّيل.

سارع إلى الرد بعد أن عرف رقم المستشفى: “شو؟ وصل لعندكم؟”

كان الطّبيب المقيم يعرف الطفل لكثرة ترداده إلى المستشفى سابقًا فلم يُضِع الوقت بسرد معلومات الملفّ الطبيّ القديم.

  • الهواء يصل بصعوبةٍ إلى أطراف الرِّئتين والصَّفير يغطِّي مساحتيهما عند الفحص على السّمّاعة، والطّفل يعاني من فترات يقظة تتبعها شبه إغماءةٍ مع انحناءةٍ في الرَّأس، وقد بدأتُ بإعطائه بخّاخاتٍ موسِّعةٍ للشُّعب الرِّئويَّة للتّوّ.
  • وكم نسبة الأوكسيجين لديه في فحص الإصبع؟
  • الأوكسيجين يلامس الخمسين في المئة ولكنّ الطّفل مستيقظٌ ويحادِثُنا
  • تلك دلالةٌ على أن الموضوع ليس مستجدًّا، فالطِّفل قد اعتاد على هبوط الأوكسجين واعتاد دماغه على التَّعايش مع نسبته المنخفضة، نظير الذين يسكنون الجبال العالية 
  • هو قد بدأ يستريح بعض الشَّيء الآن يا دكتور ونسبة الأوكسيجين بدأت تصل إلى الخمسة والسَّبعين في المئة
  • “جيّد”، قالها وهو يتنفّس الصُّعداء، ليس سوى إنذار خاطئ وإن كان الذي يليه ليس بالمضمون فأكمل: “تعلَمُ أنَّه علينا إدخاله العناية المركّزة إذا كان لدينا أسرة متوافرة أو سيتعيّن علينا البحث عن مستشفًى تستقبله”
  • أعلم يا دكتور ولكنّك تعرف كيف هو والده
  • لا تقلق دقائق وأكون في المستشفى، ومنشوف الله كيف بيدبر، وفي هذا الوقت باشروا بإجراء الفحوصات. قالها وهو يضغط على زرّ مكبّر الصّوت ليحرِّر يده من الهاتف، وقام بتلاوة الفحوصات التّي يريد إجراءها على الطّبيب المقيم بينما كان يعاود ارتداء ثيابه التي كان خلعها منذ بضعة دقائق ثمّ أقفل الهاتف وتحضّر للخروج.

نظر من شباك غرفته إلى الشّارع المعتم، فلم يستطع تمييز معالم الطريق. كان المطر ينهمر بغزارة عازفًا على زجاج الشباك لحنًا موسيقيًّا عشوائيًّا.

إنحنى لينتعل حذاءه فوجده لا زال ملطَّخًا بالتُّراب والمطر من آثار شتوة بعد ظهر هذا اليوم.

تريَّث لحظة وأمسك بالفرشاة وأخذ بمسح اللّطخات عن حذائه، فالشمس ستشرق بعد بضعة ساعاتٍ وعليه أن يكون مستعدا لاستقبال اليوم الجديد مهما كان نوع المفاجآت التي سيحملها معه.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.