هناء غمراوي
الحرب، حجة القوي على الضعيف ليزيد من سطوته وسلطته عليه. والحرب نار متقدة لا تفرق بين كبير وصغير ، متعلم أو جاهل!.. هذا ما كان يفكر به محمد البهيجي الشاب المتعلم، الذي ورث عن والده حرفة نسخ الكتب وأتقن من اللغات ما جعله يحوز لقب الترجمان في فترة زمنية كانت الغالبية العظمى من اقرانه ترتع في الأمية ولا تحسن فك الحرف..
هذه الأفكار كانت تدور في رأس البهيجي وهو يساق مع رفيقه فرح، شقيق زوجته فاطمة ابنة مجاهد (العرضحالجي) الى التجنيد الإجباري مع الآلاف من ابناء الفلاحين في صعيد مصر ليصبحوا جنودا محاربين في جيش محمد علي باشا، بعد أن أصبح هذا الأخير حاكم مصر المطلق. بيده مقاليد السلطة يولي من يشاء ويعزل من يشاء ولا يتورع عن التخلص من أقرب معاونيه بشرط أن يبقى قابضاً على مقاليد السلطة، بحزم وبيد من حديد. لا يهمه تذمر الشعب من انتشار الرشوة والفساد بين صفوف معاونية، ولا الثورات الني كانت تندلع من قبل الفلاحين لرفع الظلم الذي كانوا يعانون منه..
ينسج مصطفى البلكي خيوط روايته التي تدور أحداثها ما بين بلدة أسيوط الواقعة في صعيد مصر، وبعض القرى المجاورة لها كقرية بهيج، التي كانت مسرحاً لبعض الأحداث، ومدينة القاهرة زمن حكم محمد علي باشا الذي تولى الحكم على مصر في الفترة الزمنية الممتدة ما بين سنة1805 و1849ميلادية. وذلك عبر تسليط الضوء على متوالية من الصراعات النفسية والاجتماعية التي يعيشها أبطال روايته والتي تأخذ اشكالاً وصوراً متعددة، ويمكن ان تتلخص في مفردات ثلاث؛ الحب/ الحرب/الانتقام.
هذه المفردات التي تبدو للوهلة الأولى أنها متعارضات؛ يحاول البلكي أن يلبسها لمعظم شخصيات الرواية، مؤكداً على وجودها في النفس البشرية عامة، بغض النظر عن البيئة أو المستوى الاجتماعي الذي تنتمي اليه.
واذا ما تعمقنا في دراسة هذه الشخصيات بغض النظر عن ظروفها البيئية، والاجتماعية، والسياسة نجد ان حالة الحب والشوق التي يعيشها فرح بعيداً عن محبوبته صفية، والتي تم ابعاده عنها من قبل الأهل حتى يكون بعيداً عن أعين الكتخدا ومعاونيه.. يعيشها أيضاً محمد البهيجي بعيداً عن زوجته فاطمة التي يحبها ويعذبه فراقها. والذي يقوده قدره بعد أن يسرح من الخدمة العسكرية في جيش الباشا، على التنقل بين قصر أمينة هانم زوجة محمد علي باشا الأولى وبين قصر حاكم مصر المحروسة محمد علي باشا الذي يعاني من حب وهجر زوجته الأثيرة على قلبه؛ ليصبح البهيجي الترجمان؛ مرسال الحب والشوق الذي انقطع بينهما بعدما آثرت الهانم الهجر والاعتصام بقصرها لسنوات تعبيرا عن رفضها لسياسته الدموية التي يقود بها البلاد وفقدانها اثنين من أولادهما؛ طوسون وإسماعيل.
إضافة الى مشاعر الغيرة التي كانت تنهشها لوجود العديد من النساء والمحظيات حوله، بعد أن بلغ من الجاه والسلطان ما بلغ.
وبالمقابل فإن هذه الشخصيات التي نراها تفيض شوقاً وحباً تجتاحها أيضاً مشاعر الانتقام والثأر التي وصفها الكاتب على أنها رد فعل طبيعي على ما كان الشعب المصري يعانيه من ظلم، وبخاصة أبناء الجنوب. لم يشر البلكي في روايته الى أن الثأر هو من العادات المتأصلة في أهل الصعيد، وهم يرونه مرادفاً للشرف والكرامة. هذه العادات التي كانت منتشرة في صعيد مصر وربما ما زالت موجودة الى اليوم.
ففرح عندما يقرر الاقتصاص من ناظر القشلة بقطع أصابع يده، قبل أن يعمد الى التخلص منه كلياً، انتقاماً منه لأنه أصدر أمرا بقطع أصابع (العرضحالجي) والده، عقاباً له لأنه كتب «عرض حالا» يطلب فيه إعفاء صهره البهيجي من خدمة التجنيد الاجباري.. فإنه ربما كان ينفذ عادة متأصلة في البيئة التي يعيش فيها وليست ردة فعل عارضة على ما حصل فقط. ونحن نرى الكاتب يطرح سؤالا مركزياً على لسان فرح في الصفحة 257؛
بصوت كان يتردد في رأسه وهو يقف على مشارف حقول بهيج: هل أنت طالب ثأر أم طالب ود؟
وأجاب بثقة من أدرك طريقه:
– الآن أنا طالب ثأر..
يغادر فرح بعدها بهيج وفي نيته ان ينتقم ممن حال بينه وبين صفية.
أما زوجة الباشا أمينة هانم، فهي تعلم أن الباشا يهيم بها حباً ولكنها نفذت انتقاماً منه على طريقتها وذلك بهجره والعيش بعيداً عنه..
وهكذا نرى أن الصراع يتوالى في مسيرة تصاعدية تزيد من تعقد الأحداث، بخاصة عندما يُكتشف أمر محمد البهيجي بأنه كان مشاركاً في قتل الناظر، أحد رموز السلطة و”واد خيبة” أحد الجنود المكلفين بإخماد ثورة الفلاحين، الذي تجرأ وقتل والده عندما عصى الأوامر، فصار رمزاً للخضوع التام، والموالاة للسلطة في وجه جموع الفلاحين. والذي جاء قتله كسرا لهذه القاعدة التي كان الباشا وأعوانه يحاولون أن يرغموا جموع الفلاحين على الإذعان والخضوع التام لها.
بنية المواجهة والتحدي، يرافق فرح الشيخ الذي يعمل لديه في زراعة القطن والريحان الى القاهرة لبيع المحصول الى التجار هناك، لكنهما يقعا في قبضة الكتخدا، ويصدر السلطان أمراً بإعدامهما على مسمع من البهيجي الذي كان موجوداً في القلعة، في الوقت الذي كان يخط فيه رسالة الى أمينة هانم بطلب من الباشا محاولة لوصل ما انقطع بينهما.
بعد ان وصل الصراع الى ذروته بين كل الأقطاب المتناحرة، كان لا بد من تدخل مباشر من الكاتب في الصفحات الأخيرة من الرواية لإنهاء هذه الصراعات، والذي جاء متوقعاً ومنسجماً مع ما كان يصرح به البلكي في مقابلاته الصحفية، وما أعلن عنه في أكثر من عمل روائي سابق؛ “لا غالب الا الحب”.
هذا الحب، هومن سيجعل محمد علي باشا يصدر فرماناً بإعفاء فرح والشيخ من الإعدام، وبتسريح محمد البهيجي، بعد أن تصله خصلة من شعر أمينة هانم الأحمر ضمن رساله يحملها له البهيجي نفسه.. وهكذا يعود الثلاثة الى قراهم في الصعيد بسلام.