اللوحة: الفنانة السعودية رحاب خالد زكري
أُضطررت للاعتذار إليها، فيكفي أنها تذكّرتني ودعتني لحفل أقامته منذ فترة قريبة، على رغم أن العلاقة بيننا نشأت واستقرت بصورة سطحية، فلم يكن بيننا غير سلام مقتضب، تحيّة لا تتجاوز هزّ الرأس، ابتسامة فاترة، ذاك من ناحيتي، فأخوف ما أخشاه أن أقترب من أنثى وأن يُساء فهمي. لكنّي كلما التقيتها أرى ابتسامة كبيرة تمتد على شفتيها الرقيقتين، ثم سرعان ما تتسرب الضحكة لعينيها. لم تكن مرّة بل مرّات، حتى أيقنت أن السعادة مرادف لهذه المرأة. قلت: هذه أنثى تُقبل عليها الحياة كما ينبغي.
لست أتذكر كيف بدأ الحديث، أو متى اشتعلت جذوة القُربى، حتى دعتني بأدب لحفلها، لكن حال بيني وبين الذهاب وعورة الجبل، ظُلمة الطريق، فراسلتها معتذرًا، راجيًا أن تغفر لي ما سبق من ذنب بحقها.
فلمّا جاءني ردّها، وجدت ابتسامتها الصافية تستقر بعرض الرسالة، أجزم أنّي سمعتها بقلبي قبل عيني وهي تقول: لا عليك، فأنا لم أذهب أيضًا، ظروف أجبرتني، ثم صمَتت، كأنما ترجوني أن أحرّك المياه الساكنة من عقود، فالتقطتُ الخيط، قلت: لا تستقيم الأمور على وتيرة واحدة، فإن فعلت فلن تكون بهذه الحياة الدنيا.
- فأمّنَتْ على قولي، زادت هي: أتعرف أنني أتابع الكثير من قصصك!
- فتصنّعت الدهشة، قلت: معقولة؟
- فأكْمَلَتْ: أنا مثلك، أكتب، غير أنّي أدفن ما أكتبه في دفتر صغير يستقر أسفل وسادتي، أطمئن عليه كلما عُدت من عملي خارج المنزل، أقلّب أوراقه، أتحسس حروفي، تلك التي أراها كأطفالي الصغار، أخشى عليهم من غائلة الزمن، قسوة البشر.. أتعرف؟
- فقلت: ماذا؟!
أجابتني: فكرت أن أطبع كتابًا، أضع به حكاياتي، غير أنني أجفلت في آخر لحظة، ليست مجرد حكايات للتسلية، بل كلّ منها قطة من روحي، أجدني اليوم موزّعة بين أوراق دفاتري وذكرياتي.
كلما عصف بيّ الشوق، أو اقتربت من حد الانهيار، أُسرع إليها، أعيد قراءتها، أتلوها سرًّا ثم جهرة، لذا فمن الصعب أن أهين بطل من أبطال قصصي، أن يَتَقَوّل على أحدهم ناقد أو ناقم، يكفيني ما أراه وما أعايشه بينكم، ثم عدّدت عليّ مواقف كثيرة يندى لها جبين الأديب. فلم أجد غير الصمت أتذرع به.
إلاّ أنها رفعت الحرج عنّي وقالت: يؤمن الأقربون أن مسًّا أصابني، ذلك لأنني أختلف عنهم أو أسير بواد غير أوديتهم وشعابهم.. فقاطعتها: لن تقوم الساعة حتى تُنزع براءة الأطفال من قلوب العباد.
فتَجَاهَلتْ عبارتي واستمرت في حديثها لنفسها بصوت مسموع: لقد أدركت أن سعادتي في التخلّي، أن أتحرر من أي قيد يلتف حول عنقي، لو كان من حرير، ثم سمعت سعالًا خفيفًا، فأدركت أنها تتحسس رقبتها وتنكأ بأصابعها أماكن الندوب التي خلّفتها القيود القديمة، فقلت لها: رفقًا بنفسك، فردّت: قلت لك لا عليك، فأنا يا سيدي لم أخلق من طيبن لازب، بل من حجر صوّان، ما تساقط من جسدي خلال مسيرتي الطويلة شيّد به أجدادي هرمهم الأكبر.
بعفوية قلت لها: تتسع شهيتي للكتابة عنك الآن حتى تتضاءل محيطات الأرض جوارها اتساعًا.
فسألتني بلهفة: بجد هل ستكتب عني؟!
فرددت عليها قولها: بل سأكتبك، لا أكتب الناس، بل أكتبهم، ذاك قدر أُساق إليه، أهيم على وجهي صبيحة كل يوم ومساءه، علّني أجد من يهفو إليها قلبي أولًا، و…
فقالت: ماذا؟
فأجبتها وأنا أفرّ من بين يديها بحجة انشغالي ببعض شأني: شتاء العام الحالي، لم أشهد مثل قسوته.