ليزا زغلول
اللوحة: الفنانة الأمريكية جـورجـيـا أوكِـيـف
سألتُكِ ذاتَ يومٍ كيفَ نهرُبُ
مِن ضَجيجِ الأرضِ
نَهرُبُ
مِن فضولِ النَّاسْ؟
لأيِّ جَزيرةٍ في البَحرِ
ننقُشُ فوقَ رَملتِها
الحروفَ
إذا أتى وَحيُ القصيدِ العَذبِ
مُبتسمًا
بلا قَلَمٍ ولا كُرَّاسْ
بعيدًا
عَن ضَجيجِ زِحامِ شارِعِنا
عَنِ الأعراسْ
بعيدًا عَن نوافذَ
تَشتَكي الأقفالَ والحُرَّاسْ
وعَمَّن ينعَتونَ الشِّعرَ
بالوَسواسْ.
*طوفان- معزوفة الولد الشريد – محمد عبد الرحمن شحاتة
سقطت دمعة خذلته وفرت لتفضح حزنه الدفين، أغلق عينيه بسرعة وحاول طرد تلك التخيلات من عقله لقد اختفت منذ أقرب من عامين تاركه خلفها ذلك الوشاح كذكرى.
أحب الشعر منذ أن التقى بها، فصار متيمًا بكل ما يخصه في الآونة الأخيرة حرص على اقتناء ديوان نال استحسان الكثيرين على فيس بوك، شعر منذ اللحظة الأولى أن كلمات ذلك الشاعر تلمسه من الداخل، تؤجج نيران شوقه لها مهما مر ومضى، أغلق الديوان وبدا حزينا عن ذي قبل، لا شيء يخمد ذلك الضجيج المستعر بداخله.
أسبل أهدابه وتنهد بعمق، شعر بكف رقيق يلامس كفه ففتح عينيه منتفضًا.
على ثغره ابتسامة مشرقة، كأن الحياة التي غادرته منذ أعوام باغتته فجأة ود لو كان بإمكانه الإمساك بكفها وتقبيله ولكنه تذكر غضبها عليه في مرة سابقة عندما فعل ذلك.
لم يحد بصره عنها منذ وجدها أمامه أراد أن يعاتبها على الوقت الذي انقضى دون أن يعلم عنها شيئا، عن مغادرتها للبلدة واختفائها ولكن الحزن الجلي في عينيها منعه من الخوض في غمار اللوم فقرر أن يرجئه لوقت آخر.
ابتسمت له بخفه كالعادة، شعر بأن تلك السنين لم تمض فقطع الصمت السائد بينهما وقال:
– لقد اغتالني شبح اللقاء على أرصفة الانتظار دون أن يتبقى لي منكِ سوى وشاح.
– لا يُبرر الغياب يا عزيزي ولكنك كنت واثقًا أنني سأعود إليك مرة أخرى.
– بالطبع لقد انتظرتك كثيرًا حتى مللت الانتظار، أصبحت محبًا للشعر بسببك ووجدت به كلمات تلمس مشاعري وتؤنس وحدتي، لقد فكرت عدة مرات في الانتحار وفي كل مرة كنت أتراجع بها وأطلب من نفسي التحلي بالصبر والانتظار، علكِ تأتي وها قد جئتِ وبزغ معكِ فجر النهار.
– ألن تعنفني، ألا تصرخ بوجهي وتنعتني بأبشع الألفاظ.
– يكفي أنكِ عُدت، وبجواري الآن.
– كيف مضت تلك السنين عليك؟
– عجاف، خاليات من الأمل مليئات بالألم ولكنهن انقضين.
– أعتذر منك بشدة ولكن ذلك الغياب كان رغمًا عني حقًا لم أود ذات يوم مغادرتك.
– لا بأس لقد انقضى كل شيء الآن.
اشتعل الصمت بينهما مجددًا وتبادل كل منهما نظرات ذات ألف معنى، اشتياق، ألم، حنين، خوف، فقد وضياع.
شقت الصمت وتحدثت قائلة:
– هل تذكر كيف كان لقاؤنا الأول؟
– بالطبع، هل يعقل أن يغفل المرء عن اليوم الذي ولد به.
– دائمًا حديثك يُخجلني.
– أعشق تورد وجنتيك وخجلك ولكني لا أبالغ لقد اقتلعتِني من ذاتي وثباتي في ذلك اليوم، فقد صوابي وكأنني التقيت بحور العين وقد سخرها الإله لفتنتي.
تحاشت نظراته ثم أعادت شعرها المنسدل على وجهها خلف أذنها ونظرت إلى الأفق، جلس يتأملها، قلبه يتراقص طربًا، اقترب منها وأمسك بكفها فجأة فنظرت له بغضب، ترك يدها ورفع يده مستسلمًا، نظرت له بعتاب فقال لها:
– لن أسمح لك بالرحيل مجددًا.
– لن أبرح مكاني سأبقي هنا…
ثم وضعت يدها على صدره الأيسر وابتسمت بدلال.
– حسنًا دعيني ألتقي بوالدكِ ولننهي هذا الأمر لا فراق بعد الآن.
– لك ذلك ولكن ماذا ستفعل إن لم يوافق؟
– لم لا يوافق هل ينقصني شيء ما!
– بالطبع لا ولكني أسألك حقًا لنضع كل الاحتمالات أمامنا.
– ربما أختطفك، أقتله وأتزوجكِ، أهدده وأتزوجكِ رغمًا عنه…. لا بأس.
– أنت خيالي جدًا يا عزيزي.
– ولكني أحبك.
– وأنا أيضًا.
فجأة أتي شخص غريب جذبها من معصمها وقام بتوجيه اللكمات له حتى سقط أرضًا وبدأ أنفه ينزف، تجمع العديد من المارة وقاموا بفصلهما عن بعضهما….
كل ما ظل عالقًا برأسه حبيبته وذلك الغريب يجذبها خلفه وهي تنادي عليه، جلس على المقعد، أحاط رأسه بكلتا يديه ونظر إلى السماء، سالت الدموع من عينيه حتى جذبه سؤال شخص يجلس بجواره….
– لماذا دائمًا تثير المشاكل، ألم تعدني بأن تكون هادئًا….
– لست دميتكِ لتتحكمي بي.
– إذا أخبرني ماذا عن الفتاة وذلك الغريب الذي تعاركتما سويًا.
– لا أعرفه، ولكن أعرفها هي، فإن سألتِني عن الأمان سأخبرك بأن عيني حبيبتي وطن لا يصارع الشوق فيه سواي.
– هل تقصد أن تلك الفتاة التي تجلس بجوارك منذ قليل هي حبيبتك.
– نعم ومن غيرها.
– لقد طفح الكيل حقًا، حالتك تزداد سوءًا، إن لم تتوقف على تلك التهيؤات ستقضي ما تبقى لك من العمر بين جدران تلك المشفى.
– مشفى!
– حقًا ستقضي عليّ يومًا ما يا محمد.
أخرج من معطفه شيئًا ما وقال له:
– انظري هذا الوشاح أنا أحتفظ به دومًا لأنه يذكرني بها.
هو لا يعلم شيئا عما يدور حوله، وجهت له أصابع الاتهام بعد مقتل حبيبته ووالدها في ظروف غامضه، شهد جيرانهم أن عراكا قد نشب في ذاك اليوم الذي سبق مقتلهما بين محمد ووالد حبيبته وانتهى به الأمر في مشفى الأمراض العقلية، كلما رأي فتاة ظنها حبيبته.