اللوحة: الفنانة الجزائرية سميرة زغدود امبارك
ولأن زيارتها واجبة، الاطمئنان عليها غاية أبتغيها، فقد حملت لفافة صغيرة تضم بعض رفاتي القادمة وقليل من ذكريات سعيدة عشتها من قبل. ذهبت إليها، لم أخبرها ليقيني أنها نائمة، لكنّي آثرت أن أنفرد بخيالها معي، يحتوينا معًا سقف معدني وحوائط لا تمنع غائلة الزمن وإن وَقَتنا من فتنة الزمن وعواقب الدهر.
مكثت بمكاني ساعات، أتحسس الهدية بجوراي برفق، أتدبر ما حدث، أعيد قراءة المشهد بأكمله، حتى أنني سألتني: كيف ناخت ساقاها عن حملها فجأة، أي ثقل لم يتحمله كاهلها وهي من ناطحت “سيزيف” في معاناته.
و قد وصلني بعض تقوّله عليها، من أنها تنافسه ميدانه، أنه أقسم على الملأ بأحد أسواق”أثينا” أنها منافسة غير شريفة، وقال: أنها لا تسعى إلاّ أن تثيرَ فقط حفيظته، أن تثبتَ للعالمين أن حمولته هباءً منثورًا جوار ما تحمله هي كأنثى على كتفيها من عقود بعيدة.
أمعن “سيزيف” في تقوّله عليها بأن: آلهة الأوليمب، وبّخوه ونعتوه بالصبي الذي راح يصرخ في البرية من عبء عقوبة لم يطقها، بينما استقبلتها “ريم” بصدر رحب وبسمة كبيرة على شفتيها القرمزيتين المكتنزتين.
أفقت على أضواء شديدة التوهج تضرب وجهي وتغشى عينيّ، فوضعت يدي لأتقي شرّها المباغت، غير أنها كانت تأتيني من كل جانب، على غير المعتاد لم تكن أنوارًا مصطنعة لسيارات مارة أو مُقبلة، بل تحيطني كرحم يحتوي جنينًا لم يهبط للدنيا بعد. فلم أخشاها، بل آنست إليها.
لذا سألت نفسي للمرة الثانية وإن كانت للهمس أقرب: هل تُدرِك وجودي حقًا؟ هل عَلِمَتْ بقربي منها؟ هل صَحَتْ من غفوتها؟ هل استيقظت بوعيها كاملًا؟ ظللت أكرر أسئلتي وأطرحها بصوت يعلو رويدًا، حتى اعتادت عيناي الضوءالساطع، فرأيتني أنفذ من خلاله لعالم آخر، تقف “ريم” على حافته، تعتزم النزول، غير أنها كانت ترفع ذيل “فستانها قليلًا ” خشية البَلَل.
متى تغادر
سألته والفجر يوشك أن يؤذن: طالت إقامتك بيننا، فمتى تغادر؟
أجابني وهو يعبث بجيوبه: سأغادر حين أنتهى من فنجان قهوتي. أو..
- عندما تنتهي المباراة الدائرة على شاشة التلفاز الآن.. أو
- حين تتثاقل جفون القوم، تتمايل رؤوسهم من فرط النُعاس والاجهاد.. وربما
- سأغادر حين أصبح عبئًا، يراني الناس جبلًا يسد الأفق ويمنع عنهم الهواء والنور.
- حينها، سأدلق بقايا فنجاني على الأرض، سأغلق التلفاز قبل نهاية المباراة.
تنهّد قليلًا، ثم أكمل: لن أنتظر حتى يذهب الخلق إلى مخادعهم، سأحمل حقيبتي، سأمضي إلى حال سبيلي والشمس بكبد السماء.. أو
- حين أحس أنني أزداد سِمْنَة ولا أستطيع القفز في الهواء واللهو مع الأطفال.
- حينها فقط.. ثم سكت طويلًا!
فسألته: لمَ توقفت؟ ماذا بعد “حينها فقط “؟!
لم يُجب، فقط لملم سُترته الجلدية المهترئة حول جسده، عقد يديه تحت إبطيه، أغلق عينيه واستقر مكانه كوتد خشبي، انتظرت أن يستأنف حديثه، لكنه بقي على وضعه وصمته، فظللت أنظر بعينيه أبحث عن إشارة تدلّني، فلمّا استيأست منه.. انصرفت.