حرب ليوم واحد

حرب ليوم واحد

فلاديمير ماكنين

ترجمة صالح الرزوق

اللوحة: الفنان العراقي علي رشيد

إذا لم تظهر امرأة في حياتك حتى الهزيع الأخير، تفقد مكانتها ويقل احتياجك لها – وكلما بكرت في الظهور تكون الأحوال أفضل. كانت سائقة سيارة أجرة في سان بطرسبورغ. شابة حتما. دافئة. مليئة بالطاقة. ولكن شاء القدر أن تعمل في تلك الليلة بالذات (بشكل عام سيارات الأجرة توفر عناء القيادة الليلية على النساء. ولكن توجد دورة في المناوبات). وكان أول راكب لها عبارة عن متشرد في شارع معتم ونصف معتم. كان وحيدا ومنطويا على نفسه ودون حقيبة يد أو أي نوع آخر من الحقائب. ولكن سارت الأمور على ما يرام. تركت هذا الإنسان الغامض وحيدا وتابعت بين الشوارع المهجورة في ضواحي سان بطرسبورغ. شاهدت مصباح إنارة وبعض أشجار التنوب المتباعدة الواقفة باستقامة في الشارع، وهنا تباطأت بسيرها. كانت عند الرصيف، ولا أحد على مرمى البصر. أطفأت المحرك ولم تنس حمل المفاتيح (انتبه!) وقفزت من السيارة نحو الأشجار. كان الشارع نائما. نافذة واحدة مضاءة في بناء في الطرف المقابل. وفيها رجل كبير بالعمر ملتصق بالزجاج، وينظر دون هدف ولكن باهتمام. لم يكن مخدرا تماما حينما استيقظ. بل انتزع نفسه من حلم لذيذ يغشى كبار السن، كان نصف نائم وبدأ يقتنع أنه، في أية لحظة، يمكن أن يستعيد شبابه. ولكن كيف ينتظر ذلك!. هذه الأشعة الأخيرة للإرادة تعزف دون صوت، ثم تصمت. فهي لك وليست لك. ولا تستطيع أن تقول إنك تحلم فقط. وهل هي وهم مؤقت غرضه الإزعاج. وقد استيقظ بسبب مكالمة هاتفية في وقت ليلي متأخر. طبعا، لم يكن عليه أن يرد في هذا الوقت، ولكنه مال في فراشه، ومد يده بسرعه للسماعة، وأصغى (للمرة المائة والواحد) لصوت خشن يقول بهدوء: «آه، هذا أنت.. حان وقتك». ثم يضحك ويغلق الخط. 

تململ الرجل المسن لبعض الوقت، وبيده الهاتف، وهو يستمع لصوت الخط المستمر الذي يصدر عنه قبل أن يعيده لقاعدة الشاحن. هذا ما يسمونه حاليا «الإعادة إلى القاعدة». في أيامه كانوا يستعملون عبارة مقلقة وهي «إغلاق الخط». بمقدوره حاليا العودة إلى السرير وربما يسقط في حالة من الأحلام المجسدة. استلقى على جنبه الأيمن، وأمكنه أن يجد شيئا مضحكا في العلاقة المشتركة بين سريره الناعم ونفسه: رجل مسن، يعيد هاتفه لقاعدته بعد مكالمة. ولكن قبل أن يفعل، استغل فرصة الانتباه التام ولو لفترة قصيرة من الليل، وذهب إلى النافذة. هذا وقت القمر!. أمعن النظر بالشارع الفارغ والمعتم. شاهد سيارة أجرة. وفجأة توقفت السيارة وخرج منها السائق. كان امرأة. واختفت في ظل التنوب. وهناك اهتمت بنفسها. ولكن لم تشاهد الرجل المسن ولم يخمن هو ماذا تفعل. شاهد فقط وجهها السعيد وهي تظهر مجددا قرب سيارتها، وترفع عينيها، لتختبر حال المنطقة. نظرت للأبنية المقابلة، وطبعا للنوافذ – ثم له. وحطت نظرتها لحظة أو اثنتين عليه، ولكن كان الرجل قد انتفخ بالمرح. لوحت له كأنها تقول «كلانا مستيقظ تماما، أنت وأنا، في هذه الليلة الثقيلة من ليالي سان بطرسبورغ». وربما كانت تلويحتها للاعتذار من الأشجار ومن حاجتها الملحة – هذا يحصل، ماذا بوسعك أن تفعل؟. 

وابيضت راحة يدها بنور القمر أو بمصباح الشارع. كانت بطرسبورغ قد بدأت تتجمد، مع أن الوقت كان في الخريف. كان النور مثل الحرارة يتراجع. ولكن مصباح الشارع اليتيم كان قريبا من المبنى حيث يعيش الرجل المسن. انصرفت سيارة الأجرة، وبقي الرجل المسن قرب نافذته، متأثرا بهذه اللحظة العابرة من التواصل الإنساني. كان قد أنفق لياليه وأيامه محبوسا في غرفته. فهو بالإقامة الجبرية. وهذا الرجل الكبير كان رئيسا سابقا. انظر لذلك. وبعد لحظة لم ينتبه لشيء حار ضغط على مؤخرة ساقه. كان يعلم أنه الوجه الودود لشريكه الباحث عن التعاطف – الرأس الصلب لكلبه. كلبه ولا أحد سواه. استمر عند النافذة، ودغدغ أذني كلبه، ورد الكلب ببهجة وفورا «عو – وووو». ورددت الغرفة صدى «عواء» الكلب. وكأن كلبا آخر أجابه من مسافة بعيدة، واعتقد الرجل المسن، أن الصدى يأتي من الضفة الأخرى للبحر. من مسافة بعيدة جدا. من الأسفل، عند مدخل بهو هذا البناء، توجد طاولة وكرسي وهاتف، ورائحة حراس المبنى، الذكور الأقوياء. 

كان الحارس الليلي في نوبته – ولو جرى أي شيء، سوف يصفر. 

وكان الباب بقربه (ومن الطبيعي أنه مفتوح على وسعه) ويقود للممر حيث يوجد، تلقائيا، ثلاثة أو أربعة رجال أقوياء مسلحين يشخرون. وكان الرئيس السابق خطيرا فعلا من وجهة نظر أمنية. وحتى لو أنه حر، ليس لديه مكان آخر يلجأ إليه. ولم يعد يمتلك القدرة الكافية على الحركة ليهرب. وعمليا الشخص الوحيد الذي يحرسه في تلك الليلة هو الحارس. وكان أيضا خاملا ووحيدا. ويعاني من الأرق، وطلب النوبة الليلية ليوفر للشباب فرصة للنوم. وهناك أغنية تعود لأيام شبابه، أغنية من أيام جده، ويناشد فيها السماء. تقول: «دع المحاربين يناموا…». وهم الآن بنوم عميق. شرد ذهن الحارس، يفكر بهذا وذاك، دون أي اهتمام بالرئيس السابق – لماذا عليه أن يراقب رجلا كبيرا؟. وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تعمم مشاعره الليلية. فهذا السلوك يصدق على كل بلد!. المتابعة للرجال الكبار والهامين عادة دولية (فهم أساس ومحراك الحياة العامة الحديثة) وهذا هو المعنى الوحيد الذي استنتجه الحارس. وهو حق الأشخاص الأقوياء. كل إنسان يحصد حصته!. وسوء حظ الآخرين ليس مصدرا للبهجة دائما، ولكن سقوط هؤلاء الأقوياء، ولغاية ما، يؤثر بقلوبنا الرقيقة. ويعود ذلك لحقيقتهم. نحن لسنا رؤساء سابقين، وإنما كبار بالسن فقط. ولا أحد يتكلم عنا في الصحف. ونحن سعداء بتفاهاتنا. (والشيء الوحيد الذي يتبعنا هو رائحة آبائنا وأجدادنا. وربما ضجيج أحفادنا الأذكياء، الذين يعتقدون أن رائحة الموت تفوح منا). والرجل الكبير الذي كان يحرسنا قد حصل على استحقاقه. وفي النهاية أليس هو إنسانا مثل أي شخص آخر؟. ألم يرتكب حصته من الذنوب الصغيرة وهو في طريقه للقمة؟. وعند هذه الفكرة الأخيرة التي تعبر عن أعلى درجات العدل، ولكن غير التأملية (لحينه)، سقط الحارس بحالة ضعيفة وغير مستقرة من النيرفانا الهادئة. وهذا لا يشبه النوم ولكن الاستسلام. واستسلام عقل الحارس، يشبه استسلام عقل كل الحراس الأمنيين، ويرتكز على حقيقتين: الأولى، حين يعمل يؤمن لنفسه الخبز والدفء – الدفء المنزلي. والثاني هو المكر الذي يستهدفه يوميا. في كل أمسية يصب عليه (ببطء) من التلفزيون… وهو شيء له علاقة بعالمه. وحتى بعد يوم واحد من الهستيريا الجماعية، نحن الروس نترك وراءنا شيئا. هناك عدة صواريخ من نوع SS. ولذلك تأثير مهدئ للجميع. وهو أمر معروف. ما أن يتم إطلاقه على عدو افتراضي، الصاروخ، حتى ينقسم عشوائيا إلى عشرة أجزاء. وترافق ذلك حزمة من المفاجآت البالستية: مع «المقذوفات العشرة» يفجر أيضا أربعين صاروخا وهميا خفيفا. وتدعى الدمى. ولكن بسبب هذه الدمى، غير المتمايزة عن الصواريخ ذاتية الدفع حين تكون في الجو، يزداد عدد الصواريخ ويصل إلى 504010. ونحن دائما نهاب أن يأتينا الموت من أعلى: أولا الرعد والبرق، ثم غضب الله. والآن، فوق كل ذلك، الصواريخ!. ومنذ كنا شعب كهوف، أينما ذهبنا، نزرع مضادات الصواعق الصغيرة. الصلاة درع ساحر. وهو أقوى ما لدينا، ولكن ليس بالصلاة وحدها نحن على قيد الحياة حتى هذا اليوم. ولهذا السبب (ليس بسبب سلسلة SS، لكن يبدو أن كل شيء بدأ منها) يوجد مشروع كوني ومعترف به كونيا: أن نعلق ألف محطة فضائية فوق الأرض لتتابع وتراقب أي صاروخ يخترق الفضاء. وهو مشروع دولي، ويخدم هدوء الذهن لعدة أمم. أليس هذا أهم شيء فيه؟. أليس هو مضاد الصواعق المثالي لكهفنا الواسع والمتطور؟. أليس هذا تحقيق لأحلامنا؟…. بالاقتباس من الصحيفة نقلا عن شاعر مشهور. ونهاية هذا النفق هو الشعور بالانتماء للعالم، أو بالأحرى، المشاركة بأحداث العالم – وهو ما شغل قلوب العامة القلقين من الحروب، دون استثناء. 

فقط أول مائة محطة فضائية استغرقت بعض الوقت لتبدأ. ثاني وثالث مائة أعقبتها سريعا.. ثم مباشرة، المائة الخامسة، السابعة – وكلها تركت انطباعا قويا – (مشاهدة. وكلنا تخيلناها من أعماقنا). 

كانت تبدو مثل عرض كبير في بداية العام، ثم غصنا بعد غصن، شرعنا بتقدير وزن شجرة ضوء الفلذات الذهبية. وزعوها في زوايا الغرفة – وحتى السقف – (ولسوء الحظ) ألصقوها بالنباتات المنزلية. وآخر ضوء صغير تدلى هنا وهناك، في أي مكان مناسب، ثم بخبطة واحدة تضاء كلها بوقت واحد – يا له من عرض!. ويشتعل ضوء الليزر المنتشر من المحطات الفضائية، مائة بعد مائة، (يا له من عرض!) ويساعد على مشاهدة إطلاق صواريخ ذاتية الدفع تخص الآخرين – أي آخر. وبإمكان الحراس الأمنيين الكبار في العالم أن يناموا خلال أداء عملهم وبسلام. كما يجب أن يكون الحال دائما. وهنيئا لهم بذلك!… ماذا يمكن لكبار السن أن يفعلوا (وهم يكدون طيلة حياتهم) سوى النوبات الليلية، والسقوط بالمرض، والتفكير بإلحاح حول الأوضاع الأمنية؟. المرحلة الأخيرة، المائة العاشرة من الفضائيات المرسلة للفضاء، تبدو فيها روسيا مستقرة ومتأوربة فعلا، ولكن فجأة اندلعت المشاكل. مشاكل دينية، كما ذكرت الصحف، وهي دون نهاية، لأن نسمات التاريخ السابق هبت على الشرارة وأضرمتها. دائما توجد كومة صغيرة من الجمار الملتهبة. في النسيج الروسي، تجد التتار والبشكير والشيشان.. وبالصدفة بدأت الأحداث من التتار.. موظف الدولة الذي يهتم بالقضايا الضرورية والثانوية فقط، أصاب أحد الأعصاب، في الصميم (وكانت الصحف صريحة حين قالت «أهان»)، واستفز دين التتار – دينهم وليس أي عقيدة أخرى. ولكن ذلك ما حصل. دواليب التاريخ، في مثل هذه الظروف، قليلا ما تضبط نفسها تلقائيا. أول المنتفضين كان شباب تاتارستان. طلبة كازاخيون ربطوا على أذرعهم شرائط خضراء إسلامية وبدأوا بعقد اجتماعات هنا وهناك، في العربات أو على القضبان. ثم بلا أي إنذار وذات يوم – في منتصف اليوم، وليس غيره – أغلقوا خط قطار قازان – موسكو. وأطلقوا على الطلاب اسم «السمان الخضر». ولم تتصرف إدارة الجامعة مع الحالة الطارئة كما يجب، واستدعت الشرطة وأطلقت أيديهم. وعندما أصبح العصاة عدائيين، تحول المؤمنون، والثناء لله، إلى مقاتلين. وأكد على ذلك الألوف في الشوارع في اليوم التالي، وكذلك اندلاع النار ليلا في أقدم وأقدس مسجد في المدينة. وعلى الأرجح بدأت النار دون تعمد، ولكن التاريخ يغتنم مثل هذه الصدفة. ولسوء الحظ ودون إعلان كان الرئيس الروسي آنذاك في قمة دولية. ونشر مستشاروه الذين يديرون الأوضاع من موسكو ودون حسن تدبير، القوات المسلحة في قازان. زحفت الدبابات، وبدأت الأمور تأخذ منحى معروفا. وتطور هذا الاتجاه المألوف حسب التوقعات: أطلق الرصاص على الأسطح، وعلى النوافذ المفتوحة. وبدأ رشق الرصاص في الشوارع… أشعل الطلبة النار بالدبابات وضحوا بأرواحهم. وظهرت الصور والتعليقات عن أعمال العنف في الصحف وعلى شاشة التلفزيون في كل أرجاء العالم. واهتز العالم.. وبدأ يرجف.. هذا هو القرن الـ 21، ولكنه مثل سابقه، كانت تنقص الناس الخبرة اللازمة. 

نحن نعلم أن هذا يجب ألا يحصل.. ولذلك أصدر الغرب قرارا من الأمم المتحدة طالب به روسيا بسحب دباباتها من قازان. وأن تستبدل بقوات سلام دولية، تضمن الحياد لفترة طويلة وتنهي المشكلة الدينية والقومية. وتدخل الهولنديون بالطريقة المعروفة. ولكن كان رد فعل روسيا مفهوما. فقد صرحت للعالم أن يبتعد عن الخلافات الداخلية. وتابعت الدواليب دوراتها (وكل ما احتاجت له دفعة بسيطة). لكن النوايا الطيبة، واستمرار، (أو عدم استمرار) النوايا الطيبة، لسوء الحظ، إجراءات غير مجردة. 

تأرجح الغرب – هل يجب أو لا يجب معاقبة روسيا على أفعالها، وإجبارها على الالتزام بقرار الأمم المتحدة – وهو، في النهاية، قرار وافق عليه المجتمع الدولي. يمكن القول أطلق الغرب صاروخا هجوميا واحدا – ودمر استراتيجيا الاقتصاد، لكن بلا إصابات بين المدنيين. وكما كتبت الغارديان لاحقا: تصادمت سياسة روسيا مع الغرب. روسيا والشيشان (يشبه لتاتاراستان) بينما لدى الغرب عجائب (وانتصارات) تذكر بالبلقان. والغرب يعرف كل شيء بالتحديد. كان الوقت مناسبا لضرب اقتصاد البلد المعادي كي ينزف حتى الجفاف. سيغلقون أنابيب الغاز والنفط، ويغلقون المصانع، ومحطات الكهرباء، وهكذا. هذا وقت العقوبات دون إعلان الحرب. لكن البلد سيعيش – وستصل قوات المعارضة إلى السلطة. وهذه هي خطة الهجوم المحتملة، ما دامت مصادر الطاقة في روسيا منتشرة وتغطي مساحة كبيرة تشبه كثيرا شبكة عنكبوت صيفية. وفي الذاكرة الفولكلورية شبكة العنكبوت في الصيف تفضل الطقس المعتدل. وبعد أول ضربة دقيقة لخط إمداد الغاز والنفط، سيتم تدمير روسيا (المغمورة بطقس شتائي وحشي) وستفقد الطاقة وتضطر للركوع. 

ولا يوجد أحد ولا أمة يمكنه أن يقول «كلا» بعد أن تسقط روسيا على ركبتيها. ونظام «الألف محطة» كان يعمل بكل طاقاته في هذا الوقت. وبالتأكيد احتمال هجوم مضاد بصواريخ 21 ـ SS الشيطانية كان تحت الملاحظة وتوجد خطط لذلك. والصواريخ البالستية تنتظر في مواقعها. من ناحية إحصائية حسب أفضل سيناريو ستطلق روسيا صاروخا ونصف صاروخ وهما بحالة ثبات واستقرار.

لكن لا تطير أنصاف الصواريخ (لذلك هو صاروخ واحد). 

صاروخ واحد سينطلق – والبقية تتعرض للملاحقة والتفجير بالجو. وصدمة التفجير في لحظة المتابعة سوف تكون قوية وتبدل مسار القذيفة الأساسية. صواريخ مزيفة. وسترتجف بيأس في الفضاء. هل هي مزحة!. من غير المرجح أن ينتهي مسار تحليقها الحر في أوروبا أو آسيا. على الأرجح ستنتهي بأمان في المياه غير المحدودة للمحيط الهادئ. وبالصدفة قد تسقط بقوة على أراضيها، في الأراضي المتجمدة السوداء من سيبيريا. وماذا تريد أكثر من ذلك؟.

الأخطاء المفجعة هي دائما الأبسط والأكثر إنسانية. من يمكنه أن يفكر أن كولونيلات روسيا (بكسلهم الوطني) لن يكلفوا أنفسهم عناء جمع الصواريخ «المستهلكة» من الحقول والغابات بعد كل تجربة لصاروخ SS-21؟. فهي تحير العقل؟. هذه المقذوفات المعدنية للصواريخ، تتقلص وتنكمش، ولا يمكن إعادة استعمالها. (هذه الوحوش يمكن أن تكون الآن كومة من النفايات). وفي لحظة ما، ضباط الجيش (دون علم الوزارة) يخففون من عدد الصواريخ المضللة المطلقة إلى الثلث. ومن الطبيعي بعد إجراء التجارب، سيصححون كسلهم (خطأهم البشري) حسابيا – المجموع سوف يتضاعف ببساطة ثلاث مرات. والمخابرات على نحو منتظم يكتبون التقارير أن روسيا تزيد أعدادها بنسبة ثابتة هي مضاعفات ثلاثة، ولكن في الغرب، كان يفسر ذلك على أن الروس يبالغون بنجاحاتهم. ومن المعتقد أنهم أرادوا أن يبدوا أقوى وأخطر مما هم عليه في الحقيقة. وهذا شيء متوقع من أي فرد أو أمة تحضر لاستقبال أول ضربة. وكما تبين تاليا، الناتو وروسيا ضربا بنفس الوقت، وبفارق ثوان معدودات. 

اندلعت الحرب وانتهت.

كتبت اللوموند أن الفترة الفاصلة بين إطلاق الصواريخ صغير جدا، ولو أن تسسلسل الأحداث مختلف، سيكون من المستحيل أن تحدد من ضرب أولا. وسمح الصحافي لنفسه بمقارنة شائعة: الصاروخ الموجه (قبل الإطلاق) ذكره بقطين شرسين على سطح وهما بوضعية «استعراض الشيطان» – الظهر المقوس. قطة وقف شعرها لتبدو أكبر، وبعضلات أقوى. وهكذا، كما ترى، حينما تنظر إليها ترتعب. يتابع الصحافي فيقول: الصواريخ المستعدة للانطلاق، تتصادم في الفضاء مثل الشعر المنتصب المخيف. عموما بالنسبة للناس (السقف بنظرهم هو السماء) يكون عامل الضرب بثلاثة، والذي يبدو أسطوريا، حقيقة. والإطلاق ليس بصاروخ ونصف (وهذا يعني صاروخا واحدا، بما أن أنصاف الصواريخ لا تطير) ولكن أربعة ونصف (وهذا يعني ثلاثة). وهكذا يصل هجوم الصواريخ لخاتمته. يوم الحرب ينتهي، ومع حلول المساء تعتبر الحرب أنها حرب يوم واحد. وروسيا العملاقة «والمتمددة»، بشتائها الطويل جدا، تبدو كأنها بلا قوة، وهذا يصعب تصوره. وما يجري، ربما، ليس كارثيا، ولكنه ليس حياة أيضا. ويتم حرمان روسيا من «النفط والغاز والفحم – وتعود إلى الحطب»، بمعنى أنها تعود من الألفية الثالثة إلى الأولى. 

والمدهش أنه لا يزال يوجد هناك صواريخ متبقية. الغرب لا يريد الاستمرار بالحرب أيضا. والفرنسيون غادروا الناتو، وهم يرفسون ويصرخون. ولم يغفروا لقادتهم. ولم تمنع أوروبا نفسها عن لوم الأمريكيين، مع أن أمريكا تلقت أقسى الضربات. أحد الصواريخ الروسية لم تعترضه وسائل الدفاع، كما هو مفروض، وانتهى الأمر بالسقوط في المحيط الهادئ. 

ارتطم بمكان ما وهاجت المياه بعد أن كانت الأمواج راكدة. والثاني بدل مساره وحط في أوروبا، في سويسرا المحايدة، ولحسن الحظ حطم فقط صفا قصيرا من الأشجار في مكان ما في الألب. والمفرط بالدمار قتل فقط أقل من ألف مواطن محلي بقليل، وعلاوة على ذلك، حوالي ألف متزلج كانوا في عطلة. 

الصاروخ الثالث فقط (آخر صاروخ محظوظ) بلغ أمريكا، وخرب تقريبا نصف مدينة شيكاغو دفعة واحدة. ما مجموعه مليونا نسمة. ومع أن الصاروخ مشوش، بلغ شواطئ أمريكا قبل أن ينقسم إلى أجزائه المكونة وتبعثر، وانفجر، أينما أمكنه – غالبا في البحر. ولكن واحدا من هذه الأجزاء الصغيرة ذاتية الدفع قامت بانعطافة مفاجئة نحو شيكاغو.   

وهذا الصاروخ الثالث، بعكس غيره، كان يسمى «المجنون»، ومع ذلك، بمنطق الصواريخ، المجنون هو الذي تسبب باضطراب ضعيف في الهادئ. وهذا هو الضرر. (حسب ما ورد في فرانس – بريس). أضف لذلك مشكلة روسيا المجمدة المحرومة من النفط والغاز. ولام الأمريكيون المرعوبون من كارثة شيكاغو رئيسهم. ودققوا في تصرفاته – وكرر دافعو الضرائب الشرفاء من جميع الأعمار نفس الكلام في كل صحيفة وأمام كل كاميرا: «كيف أمكنه ذلك؟. كيف أمكنه ذلك؟». وبسرعة تخلى عن الحكم. وهو حاليا رئيس سابق. وعلاوة على كل شيء حملوه إلى قاعة المحكمة. وفي كل البلاد جمع المتعاطفون التواقيع: وساروا إلى المحكمة معه. إلى المحكمة. حرب يوم واحد لا يبدل حقيقة البشر. ولكن كما يقول الفلاسفة اللئيمون، العتلة الأهم في آلية الديمقراطية هي دائما المواطنون الذين يميلون في نهاية العمر ليكونوا بليغين وفصحاء. قل ما تريد، هذا هو الإعلان الوحيد عن العدالة الإلهية على الأرض – ما يوازيها. لقد أدانوا بينوشيه، وأدانوا هونكير، وحاصروا كيم نعم، نعم، وكيم لا، لا. رجل كبير قليلا بعد آخر – وأصبح في الزاوية، الواحد تلو الآخر!. وبلا قيراط واحد من العاطفة (ولكن بروح باردة وأنانية) عرض التلفزيون وجوههم الحزينة والمثيرة للشفقة وشاهدها كل العالم. 

كل شيء كان مسخرا لأجلنا. إشهار خسارة (انظر إليه. فقط انظر) رجل صغير آخر مسن – أليس هذا هو انتصارنا المتواضع المتحضر؟. وجديا أليس هذا طعامنا الروحي النهاري (ليس الليلي)؟. ولماذا لا يوجد رد على صلواتنا؟. صلواتنا القصيرة والخائفة على المستقبل (مستقبلنا نحن) – صلواتنا أمام شموع زرقاء في التلفزيون الوطني. نحن بشر فقط، وتلفزيوننا الوطني كنائس متواضعة. نحن نركع على ركبنا أمام التلفزيون ونصلي. حتى أنهم وضعوا المستشار السابق كول في المحاكمة!. الألماني رقم واحد، البدين، الرجل صاحب الفكين الضخمين!. ولكنهم في النهاية لم يدينوه، غير أنهم لقنوه درسا صعبا في كل الأحوال. وربما كانوا متعجلين قليلا. لقد تهوروا بشأنه قليلا – ثم أطلقوا سراحه. الجزء الأهم من أي إجراء (ولا بد أن هذا كان في ذهنهم) أن تنتظر ساعة اليأس بعد الوصول لعمر متقدم. لماذا الدمعة وأنت بكامل صحتك؟. من بحاجة لهاتين الوجنتين الكبيرتين الورديتين؟. عوضا عن ذلك يجب أن ننتظر لحظة الضعف، والتخبط – عدم الكفاءة – و(لحظة تخاذل الإنسان) لنحمله إلى المحكمة. لحظة الحقيقة هي لحظة السقوط. 

وإلا الحقيقة الحقيقية ليست عادلة. (ويجب أن نعترف هذا ليس مضحكا). ومن المهم أن تصل لجذر المسألة. في الخاتمة نظرة هذا الإنسان المريضة، تحديدا، هو ما نحتاج لرؤيته. نحن نبغي سيلان لعابه من زاوية فمه… محاميه.. أقاربه. بطاقة مطبوعة بعنوان تشرده – كل هذا جزء من المسألة، وهو يخدرنا، ونحن نتثاءب أمام الشابة بفم مفتوح على وسعه – إنه طقس متكرر. وهم يدحرجونه، مع أنه كان قويا (وأمام حشد من المهتاجين)، وباستعمال كرسي بعجلات. ولمرة واحدة على الأقل، سنحتاج لهذا في عطلة نهاية الأسبوع (عند المساء) – كي نتنهد ونحول أرواحنا نحوه، أن نأخذ نظرة… في وارسو تجول مواطن أحمق في أرجاء البلدة وأدى مونولوجا جديدا. (واكتشف أنهم سيحملون ياروزيلسكي في المحكمة). «يا سيد!. هذه خدعة! نحن نستمر بإدانة الأشخاص غير المطلوبين. انظر عن قرب إليهم، يا سيد – سترى فورا! رجال للسخرية. طغاة متخيلون. لا بهذه الطريقة ولا تلك. نحن نحب القساة الحقيقيين..». طبعا، بعض الحكماء يعتقدون أن إدانة رجل مسن في نهاية حياته هو انتقام ضعيف للحشود، ولسوء الحظ، من لديه مصادر بهجة قليلة في حياته. هؤلاء الحكماء (بغباء أو ربما بذكاء) يدافعون عن المسنين الصغار التافهين. ولن يقروا أهمية وجمال المسألة. وهم محقون فقط بالبحث عن الأخلاق والواجب والنجوم الكانطية. وأين يمكن أن تجد الأخلاق الكانطية؟. حيث يوجد عضوك. هي هناك. لا يوجد شيء من هذا القبيل. ونحن تعلمنا الاقتراب من العدالة من زاوية مختلفة – الزاوية الواقعية. ونحن نعرف كل شيء نريد أن نعرفه. وهذا (الحقيقة) بسيطة جدا. كل قاداتنا أولاد حرام. وفي النهاية سيجنون ما فعلت أيديهم. 

الناس يجمدون من البرد هنا وهناك (في روسيا) ويباعدون أيضا ما بين قائدهم والرئاسة. وحان الوقت لتدعوه ليوم الحساب. مع ذلك روسيا، في حالة يوم حرب، وبغضون ثانية، أصبحت في وضع الدفاع عن النفس. ولذلك إن أبسط شيء أن تتابع اتخاذ التدابير ضد الرئيس السابق آر. (آر الروسي أبسط اسم يمكن أن تطلقه عليه). ويجب أن تدفعه للاعتراف بخصوص الدبابات والدم المراق في قازان.     

لم يكن هناك مكان للاختباء. الرئيس السابق أ (الأمريكي)، المسن، بقي وحيدا بمفرده، باستثناء كلبه. فزوجته توفيت، وأولاده انتقلوا منذ فترة طويلة إلى الطرف الآخر من البلاد. ولم يكن هناك أي مفر من دخول الأولاد في حالة اغتراب: من يحب أن يشاهد والده نهبا للآخرين على صفحات الجرائد، يوما بعد يوم. ويجب أن لا تنسى التلفزيون، الذي ينشر الأكاذيب يوميا بانتظار محاكمته – أكاذيب ضارة!. وكلب الرئيس أ، من جهة مقابلة، لا يقرأ الصحف ولا يشم شاشة التلفزيون الزرقاء. اسم الكلب إيفان. وهذه عادة – أن تسمي كلبا قويا وضخما باسم أجنبي مشهور. والأفضل أن يكون اسما من دول معادية. من المعتقد أن يكون إيفان هو اسم روسي معروف وشائع. والرئيس السابق أ (الأمريكي) لم يلمس طعام إفطاره تقريبا. وهذا ينسحب على الصحف: كان يسرق نظرة من العناوين الجديدة، ولم يخطر في ذهنه أن يقرأ ما بعد ذلك. 

على أية حال كان يسره أن ينبطح على الأرض ويصارع كلبه المخيف ويحك ما وراء أذنيه. وهذا الرئيس المسن، وهو يتدحرج على البساط السميك، يتكلم بمرارة واضحة مع كلبه ويقول له: «ليس هنا سوانا يا إيفان. أنت وأنا. ولا أحد آخر». ولكن زحف قليل من السعادة مع صوته. أصبح الكلب مخلوقا عزيزا ومألوفا. كان يفهم كل شيء. عدا عن الألعاب الطويلة (وربما المفرحة) مع الكلب، كان الرئيس السابق أ ينفق أيامه بقضايا غير مريحة: كان عليه أن ينشغل بمستقبله. لم يكن يريد أن يفعل ذلك إلا قليلا. (لم يكن يفكر بالمستقبل- ليذهب إلى الجحيم). والأصدقاء سيحضرون، ما تبقى من طاقمه السابق، وهو حارس شرف مسن. ومع القهوة والمثلجات والقليل من الويسكي كانا ينهمكان بمحادثة صعبة ومعمقة عن تسلسل المحاكمة. ولم يكن بمقدورهما الالتفاف حول المحاكمة، طبعا، مثلما فعلا بخصوص الديمقراطية. ولكن ربما يمهدان لبعض الأشياء… لتسهيل تقدم الإجراءات الطويلة (بما فيها من مشقة وتكهنات). 

كان هذا هو نظام يومه – وكان يبدو للجميع أن هذا أهم شيء يمكنهما القيام به، فرصتهما الوحيدة. وحتى الطاقم الصغير والمحترف يكون مهموما – ويتطلب ترتيبات مالية منتظمة. والنقود التي وفرها الرئيس السابق أ طيلة حياته ستصبح بين هذه الأيدي الأمينة، وفي جيوبهم، وستتفرق بين «راحات» هذه لأيدي التي تحفر طريقها في المحكمة. وآخر مبلغ وفره كان يذوب مثل المثلجات في فمه. النقود كانت مثل قهوة في قعر الفنجان. وبعد نهاية النقاش (والقهوة والمثلجات والويسكي) سيغادره الطاقم الأمين في الظهيرة. كانت هناك شاشة كومبيوتر فوق رأس الرئيس السابق مع لوحة مخطط حياته ومخطط لنقوده. وكلا المخططين يعكسان ما شهده من تطورات. كان الخطان ينحدران مع مرور كل ثانية، كما لو أنهما يتسابقان. ونفس جهاز الحسابات (كي لا يضيع) كان موجودا على طاولته. وآخر كان موجودا على البساط قرب كلبه. سأل الرئيس السابق كلبه: «ماذا تتوقع؟. بعد أن تنتهي النقود، ستبدأ المحاكمة. ولكن هل سيحصل ذلك في عامي السبعين – أم الخامس والسبعين؟». استلقى على البساط والتقط خصلة رمادية من وبر كلبه الضخم كما لو أنها زهرة لبن (*ديزي) عملاقة. والتفت إيفان بأنفه نحو النافذة (باتجاه الآلة الحاسبة التي لا يمكن السيطرة عليها). في هذا الوقت، في الطرف الآخر من العالم، كان الرئيس الروسي السابق آر أيضا مسنا ووحيدا تماما. ولأسباب صحية، كانت زوجته تعيش في القرم، مع أن الهواء مشحون ببخار اليود، (ولكن الأهم) أنه ليس متجمدا. 

غادر ابناه بعيدا، واختارا بلدة صغيرة في مكان ما في الأورال للاعتناء بعائلتيهما ولمتابعة نمط حياة لا يذكرهما بأبيهما. وأحيانا كان الابنان يلتقيان في يوم السبت أو الأحد، ويفرطان بشرب الخمور ويتشكيان بصوت مرتفع (ولكن ليس مرتفعا جدا) من عدم صدقية أبناء بلدهما: «فهم (الناس) نسوا كل الأفعال الطيبة التي قام بها أبونا من أجلهم». أو: «هم (الناس) يتذكرون كل باقة زهور قدموها له بأنفسهم». ولكن ما الفائدة من أن تفطر قلب أبنائك وترثي بداهة البشر، الذين لا يفكرون على مر القرون بأحوالهم دون أن يفكروا بالأسباب. و(الناس)، ببساطتهم، يلقون اللوم بخصوص المشاكل الحالية التي تعم روسيا على عاتق الرئيس السابق – بالتحديد دمار خطوط الكهرباء وأنابيب النفط والغاز. 

المحكمة الدولية – لم تهتم بالموضوع. ثم شعر (الناس، أهل البلد) بالأمان والهدوء، وبدلوا موقفهم قليلا، بعد أن بدأ شبح محكمة العدل الدولية يحوم حول رئيسهم، وتحول الموضوع لحقيقة. ورأت المحكمة أنه أخطأ بإرسال الدبابات إلى قازان منذ عقود. فهو إجراء لتمجيد الذات. 

مر عقد ونصف، وجاء ثم رحل رئيسان روسيان، ولكن لا تزال، لاهاي عاما بعد آخر، تراكم المزيد من الأدلة لدعم الإدانة. وتحولت الإجراءات نحو اتجاه خطير. وأخيرا (في البريد العادي) وصلت دعوة لمساءلة الرئيس الروسي آر. وكانت روسيا تنتظر على نحو غامض شيئا ما دون أن تيأس من تسليم رئيسها السابق ليكون في أيدي المحكمة الدولية. مع أنه كان في الإقامة الجبرية لفترة طويلة ولا يمكنه مغادرة حدود مدينة سان بطرسبورغ. كانوا بانتظار المحكمة العادلة كي تنتهي من جمع الحقائق. ومع ذلك (والجميع يعلم) كانوا بانتظار ضعف الرئيس السابق. لم يكن الرئيس السابق آر رجلا بخيلا – نقوده تذوب مثل المثلجات، وتجف مثل ويسكي في كأس. غير أن لديه مسؤوليات من أجل المظاهر. ويعتبره عدد قليل من المخلصين رجلا عظيما حاول استعادة أمجاد روسيا. وكان عدد هؤلاء المؤيدين المتحمسين محدودا، وطبعا، من الفقراء. ولكن الأصدقاء هم الأصدقاء. ويمكن هؤلاء إنفاق ساعات على الهاتف مع الرئيس السابق، لنقل، بعد الإفطار، لتحسين مستوى روحه. وكان الرئيس السابق يتناول الإفطار وحده، إن نسينا كلبه جاك. وحسب العادات الروسية، للكلاب أسماء معروفة أمريكية أو ألمانية. وأن يكون أمريكيا أو ألمانيا يعتمد على اتجاه هبوب رياح التاريخ. وكان الإفطار موجودا على طاولة الرئيس السابق باعتبار أنه غير مسموح له بمغادرة المنزل ليزور البقالية أو الكافتيريا. وهو يشرب الشاي بالحليب، ويلتهم لفافتين خفيفتين، وجبنة، وسالامي. وباعتبار أنه لاعب جمباز سابق يخفف من كمية اللحوم التي يأكلها صباحا. وكان يتناول اللفافة والجبنة وبنفس الوقت يغذي جاك بالسالامي. ومثل معظم الرجال الكبار بالعمر، لا يمنع نفسه من الفكاهة وهو يكلم كلبه: «هذا أمر طيب يا جاك. أن تربح المعركة ضد الكوليسترول». ولكن جاك لا يرد. وإنما يقفز ليمسك شريحة اللحم بفمه. فيردف قائلا له: «حتى الكسل لم يعد له تأثير علي يا جاك». 

لم يكن لديه عزاء. وكذلك كلبه. فهو يشارك بالحوار بفم مفتوح. ويقول بمرح: «عاو.. عو». فيمد الرئيس السابق يده ويحك ما وراء أذن جاك. وحينما كان الرئيس السابق آر بانتظار المحكمة الدولية كان الرئيس السابق أ (الأمريكي) بانتظار قرار المحكمة الأمريكية العليا. قاوم الرئيسان بشراسة. ولم يعتبر أحدهما نفسه مذنبا. وكل منهما سمع بتفاصيل متعددة عن حياة الآخر من الصحف والتلفزيون.

وتساءل الكبار بالعمر الذين يحركهم نوع خاص من الفضول الفطري: أيهما سيسقط بالفخ أولا؟. لا يوجد أي مهرب من حقيقة أن اسميهما ملتصقان عضويا بالتاريخ، وبيوم حرب واحد – هما معا ملومان عليها – ولكن كلا منهما عليه نفس القدر من الديون العاجلة: أي منهما متورط بالذنوب؟. طبعا هذا سؤال فارغ ولكن لا بد منه – لا توجد فرصة لأي منهما بالتملص من المسؤولية. 

على طرفي الأطلسي تباطأت إجراءات هامة وراءها جماعة غاضبة – ولكن من سيسقط بعد هذه المطاردة غدا؟. من سيسقط بسبب ساقه المجهدة وهو في طريقه للهرب؟. لو سقط الرئيس الروسي الأسبق أولا هل سيشعر الأمريكي أنه نجا على نحو ما؟. (طبعا لا، لسوء الحظ، هذا توهم قريب الأجل). العكس صحيح أيضا… عموما لا أحد يريد أن يواجه المحكمة أولا. ولذلك الرئيسان السابقان يتنافسان، ولكن بطريقة غير مباشرة. كلاهما ينظر إلى هذه الحقيقة بابتسامة. وكلاهما يعتقد جيدا أن هذه الأفكار هراء – مهما كان معناها ضيقا!. ولكن حياة البشر (ولا سيما كبار السن) تتكون من أشياء غير هامة. كلاهما انتظر… كل منهما تذكر فجأة صحته. من المهم أن تكون بحالة جيدة لأطول فترة. المحكمة الدولية في النهاية جمعت الأدلة التي بحثت عنها – ففي فترة الاضطراب في قازان اتصل الرئيس بموسكو ثلاث مرات خلال مؤتمر القمة الذي حضره. وتم اكتشاف عمليات خاصة (مأجورة) تؤكد بدقة (ليس كتابيا) أن مضمون تلك المكالمات التي قام بها الرئيس الروسي – باليوم والساعة – باللحظة والثانية! عن قازان. ماذا يمكن في تلك الأيام أن يكون غير قازان؟. وماذا يمكن أن يطلب من طاقمه القوي غير إرسال الدبابات للرد على النتائج غير المرضية في المحادثات؟. 

مثل ساعة آلية اشتعلت الصحف الرئيسية في العالم مجددا (بالأحمر) مع صور من قازان – وتبدو فيها الدبابات وهي تحترق مثل زهرات عباد شمس برتقالية، بينما الطلبة الشهداء بشكل براعم محمرة وناضجة. ضربة بضربة، رد الرئيس السابق آر (أو مصوره الفوتوغرافي) على التحدي بتسرع.

وربما لم تكن الصور المتوفرة تشير لانفجار، لكنها كانت توحي بالحرب. وأنصار الرئيس السابق، ثلاث أو أربع رجال، اعتبروا أنها تدل على امتلاك الرئيس السابق لشقة ثانية بسيطة وبغرفة نوم واحدة، تقع في نفس البناية ببطرسبورغ. (ولم يكن بمقدورهم امتلاك شقة عند المدخل للحراسة، ولكن امتلكوا شقة بالجوار). ولم يكونوا أصحاب ثروة، وأنفقوا ما لديهم لاستئجار شقة للرئيس السابق ليتمكن من متابعة رياضته المفضلة السابقة – فنون القتال. في الشقة الصغيرة، أقاموا غرفة تمرينات صغيرة جدا مع بساط رقيق. وكان يتمرن مرة كل أسبوع في أيام الثلاثاء. أما أتباعه المخلصون فقد كانوا يحاولون رفع روحه المعنوية، وتذكيره بأيامه المنصرمة. وافق أحد المخلصين أن يلعب دور «الدمية»، شريك ضعيف مشارك، يمكن للرئيس السابق أن يلقيه أرضا على البساط من فوق مؤخرته. 

كان الرئيس السابق قادرا في بعض الأوقات على هذه الحركة (الجميع يعرف ذلك)، ولكن يتوجب على صديقه المخلص الآن أن يرمي نفسه تقريبا ابتداء من رأسه على البساط بإرادته. وكان الرجل المطيع يخاطر برقبته كل يوم ثلاثاء. بعد فترة التدريبات، يصبح الرئيس السابق ضعيفا ويجب أن تحمله إلى غرفته بكرسي متحرك. ومخرج الكرسي المتحرك يفرض محاذر جمة. على الأقل لأنه تحت ملاحظة عيون الصحافة الطامعة. ولذلك يغادر الرئيس السابق في عتمة الليل. ويتدحرج من بناء إلى آخر بكرسيه. وعلى من يعتني به أن يغلفوه أو يحرصوا أن تكون ثيابه عباءة رمادية فضفاضة مع غطاء رأس يحجب وجهه. وكانت الصحافة تغتنم الدقائق لتصويره وهو ضعيف غير أنه يتنفس – وعلى الملايين أن يشاهدوا بعيونهم كيف أن حياتهم أفضل (حياة هذه الملايين) من حياة من كان فوقهم.    

وتدحرج بالكرسي المتحرك إلى المحكمة. وهذا سيلهم مشاهدي التلفزيون مشاعر مرضية عظيمة. ومن الأفضل لو أنه توجد إشارة ما – مثلا عينه الزجاجية ترتعش من الخوف. هذه ليست فكرة سيئة. مع خط من اللعاب يقطر على الملاءة التي أودعه فيها الحراس الأمنيون (بدواعي الشفقة)… ومن هذه الملاءة يسيل خيط فضي على الأرض. عموما المخلصون والمتفانون، ثلاثة أو أربعة، وزعوا الصور وفيها كان الرئيس المسن، بوضعية القتال، يلقي على بساط الأرض خصما قويا. شيء مؤثر. والرجل صاحب الملامح الزجاجية يطير نحو الزاوية بعيدا. طبعت الصحف الصور، لكن دون حماس. وكان القراء يرتعدون من هذه الصور – الحياة قصيرة، كم الوقت الذي يستغرقه الإنسان بقراءة صحيفة ومتابعة العدالة المؤجلة كرة وراء كرة. ومحكمة العدل، وبعد نشر بضع صور، خففت من التعجل في الإجراءات. تنهد القضاة. طبعا لن يختفي الرئيس الروسي السابق من تحت أنظارهم. والزمن والديمقراطية لا يتوقفا للتعمية. مع ذلك على المرء أن ينتظر حتى يتوقف الرئيس عن إلقاء منافسه في الزوايا. يا لها من صورة!.

يقول ببساطة التعليق تحت واحدة من الصور الفائزة للرئيس الروسي السابق، وهو يلقي الغبي على الأرض بسهولة فائقة: «من التالي؟».

للبيولوجيا المؤجلة تأثير مباشر (وكذلك الترتيبات السرية للرئيس الروسي السابق)، أما الأمريكي السابق فقد نشر صوره في الصحف لأسباب استراتيجية، ولأسباب أهم في التلفزيون. وجعل أصدقاؤه من تكساس (وهم حفنة صغيرة فقط، آخر من تبقى) تلك الصور تبدو كأن الرئيس السابق، وهو يرتدي قبعة كاوبوي، يتدحرج فيها مع الغبار على ظهر فرس في طريق محلي. وقد حصل ذلك على مبعدة نصف ميل من أي متطفل. ولم يكن مرتاحا بالجلوس على السرج. واستعمل حزاما مصنوعا من أسلاك باراشوت – وكان مربوطا بالسرج حتى إبط الفارس من الطرف الأيسر – ومن المفترض أن تصوير الفارس تم من جهة اليمين. وقفز الرئيس السابق بحصانه لحوالي عشر دقائق، وكان يبدو في دقيقتين منها معقولا. وبعد نزهته أرتج عليه. والسبب الوحيد لعدم سقوطه أنه كان مربوطا بإحكام. انتزع من جواده ونقل إلى السيارة. وطوال اليوم في البيت، كانوا ينفخون الغبار عنه. وكان بالكامل ليوم ونصف اليوم خارج وعيه، لا يتعرف على أصدقائه، ويجلس على كرسيه وفمه مفتوح. وظهرت نزهته الشجاعة التي استمرت دقيقتين على شاشات التلفزيون في كل العالم. وكان هذا يكفي لإجراءات المحاكمة – التي توقفت لجمع الأصوات من شيكاغو، إلينويز. 

واستطاع محامي الرئيس السابق، في تصريح عام (عقب نشر الصورة على صهوة فرس) أن يوظف عدم فرز الأصوات «المؤيدة» و«المضادة» يدويا. وأصر المحامي على إعادة فرز الأصوات.

هذا أدعى للعدل. أقرب للإنسانية. وفي النهاية كنا نتكلم عن واحد منا، رجل قاد بشجاعة حصانا. وقبض على الزمام بهدوء بيد واحدة… ولكن في بعض الولايات كانوا يحترقون بالرغبة ليروه وراء القضبان. كان المحامي يخطط ليتحدى العد اليدوي أيضا، وليحاكم موظفا بعد موظف. وسوف يفتح موضوع الخطأ البشري (بمناورة هذه المرة). وسوف يؤكد على الانحرافات التي تسببت بها عمليات العد المختلفة. وموظفو الدولة غير الموثوقين – كل دستة بفلس – قتل أباهم أو أمهم (أو الخطيبة) صاروخ «طائش». كيف تتوقع من شخص من هذا النوع أن يعد «ضد، ومع» دون نوايا مسبقة؟. 

في هذا التوقيت، أصبحت الحرب تعرف باسم «يوم سوء تفاهم – واحد»، «حادث سيء»، «غيبوبة تاريخية»، وهكذا. الجانب الأخلاقي من المشكلة يستوجب النسيان بأسرع ما يمكن. وكان أهل شيكاغو والولايات المحيطة بها يهربون إلى الشرق والغرب – لأبعد ما يمكن بسبب آثار السترونتيوم واليورانيوم المخصب. وأكد العالم تعاطفه. ومن بقي حيا من الأوروبيين والسويديين والألمان والإسبان دعا الأمريكيين إلى شواطئهم الآمنة. حتى روسيا المتجمدة وجهت لهم الدعوة بأذرع مفتوحة. والبرد القارس (حتى برد سيبيريا) كان أفضل من اللوكيميا المميتة.

وأولئك الذين لم يتمكنوا من استضافة الأمريكيين، لسبب أو آخر، أعلنوا عن تعاطفهم بكلمات لطيفة. وأرسلت الرسائل تلو الرسائل كي لا يفقد الضحايا روحهم القتالية. وجاء أكبر عدد من الرسائل من هيروشيما. واستلم الرئيس السابق عددا متنوعا من الرسائل، وكانت تتراوح بين التعزية حتى الإهانة، وكان مصدرها كل الولايات. كان كل الأمريكيين يعرفون هذا العنوان «إلى التكساسي الذي لا يمكن أن يكون حاصل ضرب بثلاثة». حتى أولاد المدارس علموا بخطئه السخيف.

لم يكن لديه مكان ينافس به الروس وحتى أنه لم يتمكن من إجراء الحسابات الأساسية. في أوروبا وفي أدغال إفريقيا، حينما تعلم الأطفال كيف يضربون أي رقم باثنين، كانوا يضحكون بانتظار الثلاثة، وهم يعلمون أن أساتذتهم سيغتنمون الفرصة فورا لدعم حصصهم بمثال من التاريخ المعاصر. وهو، الرجل الذي شق السماء بصواريخ استراتيجية، أصبح يحمل لقب «الانتهازي». وهو الذي سهر الليالي في تلك الأوقات المرعبة، أدين باللامبالاة – وارتكاب ذنب قتل مئات الألوف… أو هم غير قادرين على رؤية أن قراره وإرادته الحرة كانا عمليا قرارهم هم وإرادتهم هم (ولا أحد آخر). وهم (الشعب، مواطنوه) لا يريدون التفكير ولو لدقيقة واحدة أن توجيه أفكارهم على هذا النحو سيقود لرؤية وتجلي الحقيقة. كل ما أرادوا أن يروه وهو في قاعة المحكمة. ودون تردد، بسرعة فائقة، أردوا أن يروه وهو يرغي ويزبد في آخر عمره ولعابه يسيل من فمه. وكانوا بالفعل مخدرين بهذه الفكرة – أن يكون خارج حصنه، وخلف القضبان. والعقوبة بالسجن قد لا تكفي. بعضهم اعتقد أنه سيمضي 21 عاما، ومصدر آخر وفق حساباته وصلت إلى 322 عاما. 

وفرح الناس بهذه الأرقام، مع أنها كانت قليلة…. قليلة جدا. أحيانا يتلقى مكالمات (في وسط الليل)، من أشخاص مهتاجين يبشرونه باقتراب المحاكمة. «فهي قادمة قريبا». وأحيانا سيكون الموضوع كما لو أنهم يسألونه عن تفاصيل. «أنت يا صاحبي. أتساءل أين تبخرت نصف شيكاغو؟». من الواضح هم يشيرون إلى نصف سكان المدينة الذين ماتوا في حرب اليوم الواحد. فقد مات الضحايا فورا، بغضون ثانيتين أو ثلاثة بعد الانفجار. والسؤال الآن «أين هم؟». وهو سؤال في البلاغة فقط. بعض المتدينين من السكان يصرون على الاستفسار عن الدمار الشامل الذي لحق بشيكاغو وما قدمه للرب من عمل كان بالنسبة لنا مبهما وملحا. 

فهو مسؤول عن كل روح لكل إنسان!. البعض كان سيرفع للجنة، آخرون للجحيم… وسنكون قادرين تماما على فصل الأنقاض، وتنظيف الحجارة والركام، لكن هل سيفعل هو، ويتمكن من فرز هذا الرقم الخرافي من الضحايا، ويعزل ملايين المذنبين عن المؤمنين؟. الزمن (حاليا) للفلاسفة، ومعهم الحكماء، وهم يدركون أن الزمن هو اختراع بشري، وأوجده لتبرير نفسه (ولذلك يمكن استنتاج مقارنات)، ومنذئذ والزمن أصبح ببساطة هو الوقت. تك – توك، تك – توك. لهذا السبب أي فكرة مقلقة يمكن الآن استبدالها بمجموعة من القواعد والتعليمات – بدقة صارمة وآلية دقيقة. لماذا على البشرية أن تنتظر عقارب الزمن لتقرر؟. فهي غير كافية – اترك الزمن لعمله – الزمن فقط، اليوم فقط، الشهر وهكذا. وربما سنة أو خمس سنوات. تك – توك.

سنحصل على ما يأتينا. وهكذا، بحزن بالغ، فكر الحارس الأمني الكبير بالعمر – نفس الجالس على المدخل في بناية سان بطرسبورغ حيث كان الرئيس السابق تحت الإقامة الجبرية. تثاءب ابن بطرسبورغ المهندس سابقا (وهذا منذ وقت طويل مضى) والحارس الأمني حاليا، في نوبته الليلية، فقد انتابه الضجر، ولكن على الأقل كان يشعر بالدفء. وليحد من أرقه، بسبب الكسل الحاد، فكر الرجل بالزمن… وبمصير الرئيس الأسبق.. وكيف أن الكبار بالسن المتزمتين يخسرون (وفي النهاية، انتقلت أفكاره لشيء هام). وتساءل في هدوء الليل: لماذا تنبعث من هذه الملاحقة رائحة الجثة الروحية؟. عمليا، عمليا هذا سؤال جيد وبسيط (حينما تكون كل الشوارع الروسية متجمدة لدرجة الموت). والآن حان الوقت لهذا السؤال… في هذه اللحظة بالذات. هذا القطيع بلا قلب، وغير مقبول ومعظم لذاته وصاخب – لماذا هم سعداء؟. ولماذا أنا، الرجل العجوز، الذي لا يشعر بالحب نحوهم، يتعامل معهم بجدية؟. لماذا أنا الواثق بنفسه يعدو إلى الأمام برفقتهم نحو المستقبل المشترك؟. بصق في زاوية الغرفة. الرجال المسنون جلفون وقليلا ما يسعدهم الحاضر. 

«من هو التالي؟». ظهر السؤال الذي تحت الصورة في الصحيفة مثل سم فتاك. تسافر الصحف من بطرسبورغ، مليئة بصور الرئيس الروسي السابق. وفي هذه المرة، لم يكن بثياب الكاراتيه ويقف بجبروته فوق البساط الياباني. أضف لذلك أنه لم يربط حوله الحزام الأسود المشهور. ولم يكن يلقي أحدا من فوق ظهره على الأرض. في هذه المرة كان الرئيس الروسي السابق في كرسي بعجلات، وكان وهو يتربع فوقه بعينين كابيتين وفم نصف مفتوح. وكان أحد أتباعه يدفع الكرسي إلى الأمام بصعوبة، وبعجلة من أمره، ليختفي في باحة المحكمة داخل المجمع القضائي. وكان أحد الموالين قليل الانتباه والحيطة. كان يوم الثلاثاء، وكانوا يقودون الرئيس السابق (والمصارع السابق أيضا) إلى البيت من غرفة التدريبات. وترك شخص آخر القبعة تسقط، لتكشف أن الرجل المسن قد هرم فعلا. ربما سقطت القبعة ببساطة بفعل الرياح. ولكن من المحتمل أن شخصا ما، يعلم بما يجري تماما، تمت رشوته و«بسرعة» جر القبعة عن وجه الرئيس السابق. شخص ما أصبح لقمة سائغة تباع وتشترى. لا يمكن لمصور أن يحط رحاله في الأدغال أمام بناء خاص جدا. وبوجود اثنين إضافيين قرابة بوابات البناء مع فلاشات. هذا عمل شخص تلقى نقودا إضافية. (كما فعلوا من قبل مع نظيره الأمريكي. بمجرد خيانة الرجل الهرم، سيكون هناك شخص ما يعمل بالنقود. وبكفاءة مثل تهاطل الثلوج في الشتاء). ورحبت التنهدات ومشاعر الراحة بصورة الرجل الهرم الروسي الضعيف، مع أصوات البهجة على انتصار تم انتظاره طويلا. قفز الحاضرون في المقاهي من على مقاعدهم ولوحوا بحزم من الصحف المرفوعة فوق رؤوسهم: وفي النهاية!. لم يهرب! وحان وقته!. والمحكمة الدولية فورا أعلنت تاريخ المحاكمة. والحكومة الروسية، كالعادة، لم تكن سعيدة. واضطروا لتسليم رئيسهم السابق المتداعي ببساطة. ولكن كان هناك كلام عن مسؤولين روس يعقدون صفقة سرية مع إحدى دول البلطيق. 

وحضروا أنفسهم (أعضاء الناتو رغم كل شيء) لاختطاف الرئيس السابق والتفكير بالمقايضة عليه بضميرهم المطمئن والنظيف. المسافة من بطرسبورغ وحتى تالين لا تزيد عن رمية حجر. ومن تالين إلى المحكمة الدولية، وبركوب طائرة نفاثة معقولة – لن يكون لديه الوقت لشرب قهوته!. وكل الحسابات – على الطاولات، على البساط، وبجوار السرير – تؤكد للرئيس الأمريكي السابق أن ما ربحه من نقود بالمجالدة، وما وفره لمعركته ضد الزمن (وبعد الاقتراب من المحكمة)، انتهى وتبخر. 

ولن يكون من المستحيل لشخص ما أن يدفع لواحد من مؤيديه أكثر مما باستطاعته. لكن حصل شراء ولاء أحدهم. في البداية طالت شبهات بالرشوة غراي، وهو سكير مسن (وأحد أقدم معارفه). 

وارتبك غراي، وأطلق النار على نفسه. لكن الخائن الفعلي الذي وشى بالرئيس السابق لمصور الصحافة هرب إلى دولة أخرى دون أن ينظر للخلف (ومن هناك كتب مذكراته لتبرير أفعاله). 

ولكن لم تجد هذه الأخطاء من يصوبها. وفي يوم الثلاثاء الأسود (نفس اليوم الذي تلقى فيه الرئيس الروسي الضربة)، سقط الرئيس الأمريكي عن صهوة جواده. 

لم يتمكن الكاوبوي الضعيف من البقاء على السرج لدقيقة واحدة. ومباشرة، التقط مصور ما غير معروف يختفي بين الأشجار صورة سريعة. وسريعا ما أصبح وجه الأمريكي الخاسر والمتساقط والداعي للشفقة يشبه كثيرا زميله الروسي. بالصدفة في ذلك اليوم (ثلاثاء أسود لكليهما) بدأ الصحافيون يسمون حرب اليوم الواحد – يوم خسر كلا الرجلين المسنين فجأة. ونشرت الصحف الأمريكية، أكثر مما عداها، صورا لوجهه الميت الذي يعبر عن حياة مفقودة. كان الرجل الهرم بنظرة مضطربة وفم مفتوح. على بعد خطوات قليلة من حصانه الذي يرعى وكان يقف مثل رضيع محمول ومرفوع ومستبعد بكرسيه المتحرك (ويشبه الروسي) وهكذا يمكنه العودة إلى بيته ثم فراشه. وحاليا تصوت الولايات التي كانت محايدة على حمله إلى المحكمة بأسرع وقت. ورئيس المحكمة العليا حدد التاريخ الذي طال انتظاره. ومرت الليلة مثل غيرها، الليلة التي أغلق فيها الرئيس الأمريكي السابق الهاتف وقرر ألا يزعج نفسه بالصوت الفظ – بل حاول أن يبتسم. ولم لا؟. كان القمر مشرقا. ذهب إلى نافذته (مثل عدوه على الطرف الثاني من المحيط) ونظر منها للسهول المتنامية والراكدة. لم تكن هذه واحدة من أسوأ لحظات حياته. كانت لحظة طيبة!. ولا تسمح السماء كثيرا بلحظات واضحة وهادئة، مع قوة مركزة لرجال كبيرين بالعمر. وحينما حصل ذلك كان الوقت ليلا.

في الشارع – على الطرف المقابل من الطريق – شاهد سيارة رخيصة تتوقف وتقفز فتاة منها. وربما كان هذا يبعد خمسين قدما عنه، أو أكثر، لكن عينيه المسنتين والثاقبتين شاهدتا كل شيء بوضوح تام. نظرت حولها وانتبهت أن الجو واضح، ثم ركضت وراء شجيرات ما على طرف الطريق وتوارت عن النظر. ربما كانت تريد أن تريح نفسها. هذا ما حصل!. عادت مرتاحة وسعيدة إلى السيارة و(رفعت عينيها) ولاحظت اللمعان الأصفر المنبعث من النافذة في البناء المقابل، والذي يكشف خيال رجل. هذا هو الليل. والشارع نائم. وبلا سبب لوحت له الفتاة بيدها تلويحة لطيفة. وتناغمت راحة يدها مع حركتها – بسرعة. بسرعة. وشاهد الرئيس السابق (بضوء القمر الفضي) أنها شابة. 

ورأى أنها متينة البنية بقوام جيد. ومن خلف خمار العمر الكبير، تذكر شيئا ما، وهمس لنفسه: «أتمنى لو يمكنني أن أخدعها الآن». ولم يشعر بالرغبة في الاقتراب منها. وكان قد علمه طبيبه النفسي في إحدى المرات أن يفعل ما يلي – إذا شاهد امرأة شابة، يجب أن يقول إنه يريدها لنفسه – كما لو أنه يسمح لنفسه بامتصاص رغبته. وهكذا يمكن للإنسان أن يستمر شابا وقويا، ويمتلك القوة ليكافح في سبيل حياته. ولكن هذا لم ينفع محلله النفسي. فقد مات. وفكر الرئيس السابق: ربما كان سيء الحظ فحسب. أو ربما لم يكن يشاهد ما يكفي من النساء الشابات. ورد الرجل المسن على حركة المرأة الودية. وانطلقت سيارتها باتجاه الليل، وبعد دقيقة اختفت. ذهبت. ولم يبق أحد. لقد ذهبت… ولكن على الأقل كان الكلب هناك. وشعر الرئيس السابق كيف كان من ورائه، يضغط على ساقه المرتعشة، لا بد أن الكلب يتسول الاهتمام. ودون الابتعاد عن النافذة، مد الرجل المسن يده إلى الخلف وربت على رأس الكلب. رد الكلب: «عاوو – عاو». غلبه الدوار العاطفي. وارتد الصدى في الغرفة. ورد الكلب الآخر بنغمة مبهجة من طرف العالم الثاني، من الجهة الأخرى في العالم «عووووو – ووووو». 


فلاديمير ماكنين Vladimir Makanin كاتب روسي معاصر. مولود في الأورال. عمل في صناعة الأفلام. اشتهر في فترة ذوبان الجليد. أهم أعماله «الأسلاف» وهو رواية عن العلاج الروحي. من أعماله الأخرى المعروفة: الخسارة، الطاولة المغطاة وقارورة النبيذ… 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.