حكايات بائدة

حكايات بائدة

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

اكفهرّ الجو، ثم انهمر المطر فجأة وبكثافة، صحبه هواء بارد، فأضطررت لغلق النافذة المجاورة، أدرت مسّاحات الزجاج حتى اتضحت الرؤية بعض الشيء، آثرت بعدها أن أسير بسيارتي على مهل .ألتزم أقصى يمين الطريق، حانت التفاتة لحافلة ركاب تسير على يساري، مزدحمة، على بابها الخلفي بضعة نفر منهم، تذكّرت تاريخ طويل خضته قبل عقود، كنت أسابق الريح برحلتيّ الذهاب والعودة حتى أجد موضع قدم بحافلة متهالكة فالوصول لمقعد رفاهة لم أملكها وقتها.

أفقت سريعًا لعالمي، فمثلي لا يحب العودة للماضي، أو الاستغراق في ذكريات يخجل منها، يواريها كسوأته. كنت أبحلق في الركاب المتزاحمين بداخل وخارج “الباص”، حين لمحت واحدًا يتسلل بمهارة بينهم، يمد يده بخفّة و ينشل حافظة جلدية سوداء من جيب راكب لاه عمّا حوله.

 أثارني المنظر، هزّني بقوة، ردّني لذكريات بعيدة، أخرى قريبة، رأيتني أسرق كهذا النشّال، غير أنني تدرّجت في السرقة، فبدأت بسلب أحلام البسطاء من قلوبهم، آثرت أن أبدأ بالرفاق منهم، من دائرة صغيرة قريبة منّي، آمنوا بيّ ولي، غير أنني غافلتهم وسرقت بعض عالمهم ونسبته إليّ، فأنا أومن بيقين لا يتزعزع أن أشد أنواع السرقة ما يقع على الحُلم، فما أخطر أن تسلب أحدهم حُلمه، تتركه نهب لهواجس ومخاوف لا نهاية لها، فإن فقد المرء أحلامه وآماله أصبح فريسة سهلة للأمراض الجسدية ومن قبلها للعِلل النفسية.

ثم صعدت إلى سُلّمة أعلى، تجرأت على سرقة أفكار الأصدقاء، بخاصة تلك التي تُثمر مالًا، أو تحقق مكانة اجتماعية. فقد علمت أن الفكرة هي أصل الحياة، تسبق الوجود، بفضلها، أصبحت الدنيا كما نرى ونعرف. أن ما يجعل للإنسان قيمة، هي جملة أفكاره، هي ما تميّز فردًا عن آخر، هي المعيار الحق للقيمة، لا الذهب والفضة.

 فكنت أتسلل للمقاهي، مكاتب الزملاء، قاعات الأفراح، سرادقات العزاء، أنصت بجوارحي لكل كلمة، أصغي بشغف لكل حوار جانبي ولو كان همسًا، فقد حُبيت بمهارة قراءة المعاني وبناء ما تهدّم من جداريات السرد والحكايات البائدة، أحيكها في أنسجة تقارب الحقيقة بشدة، ثم أعيد مضغها في صورة جديدة تناسبني.

 كثيرًا ما حاججت أصحابها، أقهرهم بنواصي المنطق. منهم من كان يتوهّم أن الفكرة من بناته، غير أنه لم يجرؤ أبدًا على مواجهتي، فلساني يسبقني دومًا، سلاح أسلق به من يناصبني العداء ولو بسرّه، فأنا أيضا أملك قدرة على اكتشاف الخصوم ولو تدثّروا بطبقة كثيفة من النفاق.

فلمّا وصلت لقمة الهرم، أقصد حين تراكمت سرقاتي فوق بعضها حتى أضحت جبلًا أو هرمًا كبيرًا، لم أخلد للدعة كما فعل من قبل كبار اللصوص، فأنا على يقين أن النهاية تأتي سريعًا حين يقرر اللص أن يستريح، فأمثالنا لا راحة لهم في هذه الدنيا، فهي دار شقاء لبني آدم.

لذا ارتقيت بإرادتي لمرتبة أعلى، فحينما نضبت قرائح من حولي من الأفكار، بات موقفي حرجًا، أضحيت أقرب لافتضاح أمري، فالناس اعتادت منّي على كل جديد كل فترة، لذلك عندما توقفت جبرًا، لويت عنقي لنهب أموال الغير.

 غير أنني ارتضيت لنفسي قاعدة وحيدة، أن أسرق الجمل بما حمل، لا أرضى دون ذلك، لا أقبل باللمم من الثروة، مال تدفق عليّ من كل صوب، فأعدتُ بعضه لسد أفواه جائعة يُخشى بأسها عليّ وما أكثرها، كلما توسّعت في السرقة، اتسعت الأفواه الجائعة، استطالت أنيابها عن ذي قبل.

لكنّي وأعترف بهذا على ملأ، أن الحظ لم يخنّي أبدًا، وكيف يفعل، وأنا أضع برقبتي تلك السلسلة الفضية الجالبة للحظ، التي سرقتها من رفيق عمل، حين لحظت قبل سنوات من شراكة بيننا، أنه لا يترك هذه القلادة الفضية إلاّ حينما يختلي بنفسه في الحمام، ثم يعود متلهّفًا على ارتدائها، يتحسسها برفق، يربت عليها بحنان وهو يتلو بسرّه كلمات غامضة، لعله دعاء أو تعويذة، لم يهمني ما يقول قدر إشباع رغبة سيطرت على عقلي أن أمتلكها، دون مقابل؟ لالا فالسرقة تحتاج لجهد يفوق العمل الطبيعي، مخاطرة من يصعد جبلًا بعتمة ليل بهيم دون دليل يُعينه.

اللصوص لهم عقيدتهم، يؤمنون بما يفعلون، متصالحون مع أنفسهم، صديقي صاحب القلادة، أعانه الحظ كثيرًا، ساعدته الظروف حتى تبوأ مكانًا ومكانة في المجتمع، آن أن يترك قليلًا من الحظ لغيره، أقصد لي أنا، ذلك مبرري الذي اعتمدت عليه في سرقته ذات يوم، حين سنحت الفرصة أمامي، وجدتني أمام القلادة وجوارها ساعة يد، على “الكومودينو” بغرفة فندق برحلة عمل في “أسوان” ولخبرتي بعالم الساعات، أدركت أنها ليست أصلية، فتركتها وشأنها، أخذت ما يوافقني.

سنوات كثيرة مرّت على الحادثة، تجاهلت عددها، بينما صديقي ينحدر من سيء لأسوأ، راقبت زحف الشيخوخة لجسده، قد غزا الشيب فوديه، ظهره الذي انحنى إثر ضربات تلاحقت عليه، كأنما القلادة كانت تبعث فيه بوهج الشباب، لازلت أرقبه من بعيد حتى الآن، أأسف لحاله.

عُدت من شرودي على نفير سيارة نقل كبيرة تمرق جواري بسرعة، أحدثت موجة من مياه الأمطار ممتزجة بأوحال، تطايرت حتى أغرقت سيارتي بالكامل. بينما مسّاحات الزجاج تجاهد بقوة لإزالة الأوساخ الملتصقة في الخارج، كانت أطراف أناملي دون وعي تتحسس القلادة برقبتي، لساني يتمتم بكلمات غامضة أجهل معانيها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.