طبق الأصل

طبق الأصل

اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو

في صغرنا، كنت أغبنها على تعلقها بأمها كل هذا الحد، واستئثارها باهتمامها، وشعورها القاتل بافتقادها.

 باتت سويعات الدراسة همّا يجثم على صدرها، فإذا انقضت تنفست الصعداء في تلهف للعودة إلى البيت والكمون في حضن الوالدة، وتعاد الكرة ذاتها في الغد.

إنها سعاد، زميلة مقعد الدرس إلى أن بلغنا الجامعة، لا أتذكر أني لمحتها يوما منفردة إلا داخل المدرسة، ولو كان مسموحا للأم بالحضور معنا لفعلت، كانت متميزة حد الهوس في الرياضيات، لكنها دخلت القسم الأدبي، سألتها فقالت: ماما تريد ذلك، ولما أعيا المعلمة رفضها في المشاركة بأنشطة المدرسة رغم براعتها في الرسم والحياكة ألحت في معرفة السبب  قالت: ماما لا تريدني أن أتأخر وقتا إضافيا في المدرسة فهي تفتقدني، وأنا كذلك.

وبمرور الوقت، تحول إحساسي بالغبن إلى شفقة كبيرة على سعاد، فهي لا تخرج إلا مع ماما، لا تلبس إلا ما تحب ماما، لا تختار إلا ألوان ماما، لا تفكر إلا بعقل ماما، حتى اسمها هو اسم ماما.

المذهل في الأمر أن تحصل سعاد على درجات تؤهلها لكليات القمة، لكنها تؤثر الدراسة في كلية الآداب قسم تاريخ لتستطيع ماما الانتساب معها لنفس القسم مما يؤهلهما للتواجد سويا معظم الوقت، كان ذلك أمرا مضحكا مبكيا معا، فقد ولدت سعاد يتيمة لأم وحيدة تعمل موظفة في إحدى الوزارات، بالكاد يقيم راتبها أودهما، فأصبحت عالم الأم وشاغلها، وآلها الذين حرمها الموت منهم، لذا، لم تدخر جهدا في تعليمها والعناية بها، لكن خوفها عليها يشبه المرض، تحاوطها به حيثما حلت مما أفقدها القدرة على اتخاذ قراراتها المصيرية بنفسها.

لكن أكثر ما آلمني وشق على روحي، ما رأيت من حال سعاد مؤخرا، فما استطاع التباعد في مجال الدراسة أن يفرق بيننا وبين أخبارها،  وها هي تفقد سندها في الدنيا، فقد قطف الموت زهرة عمر الأم تاركة سعادها وحيدة بلا زوج ولا قائد يسير عجلة حياتها، تبكي بكاء مرا، وتنزوي في ركنها وحيدة تضم جناحيها في هلع غير أكيدة من مقدراتها، الآن فقط تواجه سعاد الصغيرة رياح الحياة، تتعرف لأول مرة على ألوانها وتتذوق مرارتها، فهل ستبرز مخالبها وتقوي أنيابها لتستطيع الدخول في غابتها، أم ياترى ستسير على جثتها عجلاتها وهي تمر مسرعة لا تلقي بالا لأحد؟!

إيه أيها الآباء… أنانيون أنتم في إصراركم على خلق صور طبق الأصل منكم، وتركها في زمان ومكان لا يشبهكم، أحيانا خوفكم المفرط لا ينتج سوى كائنات مشوهة لاتقوى على مواجهة الحياة، ماذا لو تخلينا قليلا عن تلك الأنانية، وتركنا المجال للكائنات الجميلة التي أنعم الله بها علينا أن تفصح عن نفسها، وتبرز جمال شخصيتها المستقلة، وتواجه بذاتها مشكلات عالمها، ربما خرج علينا منهم العلماء والحكماء ومن يقودون الحياة أفضل منا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.