محمد الشحات
اللوحة: الفنان الإسباني خوان ميرو
كانتْ تمسكُ في يدِها
بحبيبات الودعِ
تحاولُ أن تتخيلَ
ما سوف يصادفُها في غدِها
احترفَتْ ضربَ الودعِ
وهي تحاولُ أن تنفضَ
أيامَ طفولتِها الأولىَ من يدِها
كان لزامًا أن تنزلَ أسواقَ العملِ
ليمكنَها أنْ تطعَمَ
ما ازدحم ببيتِ أبيِها من أطفالٍ
جاءوا من زيجاتِ أبيِها الأربع
أجلسَها أبوها كي يمنحَها خبرتَه
في أن تكشفَ
ما يختلجُ بداخلِ أغوارِ البَشَرِ
فأمسكَ أحرفَه
وهو يزيِّنُها
ويُنَضِّدُهَا
حتى يجعلَها تخرجُ دونَ ضجيجٍ
أوصَاهَا
أن تتخيرَ كلَّ عباراتِ الفرحِ
وترسُمُه فوقَ ملامحِها
أنْ تسكنَه في عينِهَا
حتى يتسللَ دونَ مُوَاربةٍ
في عينِ زبائنَّا
كانتْ تنظرُ في عينِ أبيِهَا
تسألُ عن سِرِّ مُخَاصَمَةِ الدمعِ لُه
تبحثُ عن أبوابٍ يدخلُ منها الفرحُ
برغم تأكُّدِهَا
من أنَّ جبالَ الحزنِ
تعشِّشُ في جنباتِ الصدرِ
انتبه لحيرةِ عينيها؛ فاسترسلَ
حين أحسَّ برغبتِها في أن تعرفَ
كان عليه أن ينزعَ منها
ستائرَ أخفتها سنينًا
فارتبكَتْ حين رأتْها تجلسُ
كانت أمي أمهرَ مَنْ يُلقِى الودع
على منديلِ الرملِ.
طرحتُ سؤالاً:
– هل ما زلتَ تحنُّ إليها؟
فمسحَ على وجهي وأخبرني
أنَّ العَاشِقَ
لا يمكنُ أنْ يهجرَهُ العِشْقُ
وأن ملامحَ وجهي حينَ يرانِي
تجعلُه يفرحُ ويحسُّ بأنَّ الغائبةَ
– عن الحيّ الصاخبِ – مَا غَابَتْ
ضربَ أبوها بحبيباتِ الودعِ
ونظرَ إلى عينيهَا
وأخْبرَهَا بأن الناسَ
يظنون المالَ هُو الغايةُ
وأن القلبَ تزاحمُه امرأتانِ
وأقدامُ البشرِ معلقةٌ بين طريقينِ
تركتُ أبِى
وحملتُ على رأسي الودعَ
وحفنةَ رملٍ
كانتْ لا زالت تحملُ بينَ ثنايَاهَا
كفَّك يا أمي
(أبين زين أبين وأضرب الودع)
وخرجتُ نحوَ السَّاحةِ
كلُّ الَّناسِ بلا هَدفٍ
انتبهتْ لفتاةٍ وهى تلحُّ عليَها
يخرجُ من عينيها بريقٌ
لمْ تعرفْه
جذبتني؛ فجلسْتُ إليْهَا
لم أتمكَّنْ من إخراجِ الودعِ
فلقدْ خِفْتُ بأنْ أخدعَهَا
كانتْ ترغَبُ
في أنْ تعرفَ ما تخفيه لها الأيامُ
وما يختلجُ بمكنونِ القلبِ
نظرتُ إلى عينيَها
أحسستُ بأن ملامحَهَا سكنتني
– أُلقى ببياضي؟
– لا.. لا تلقي
زادتْ حيرتُها
وزادتْ رغبتُها في ألاَّ تخدعَها
فتحسَّستِ الوَدعَ
ولم تتنبّـه إلا لصبيٍّ جاءَ فأنقذها
حيثُ رأتْ فرحتَها تتراقَصُ في عينيها
ولم تنتظرْ الودعَ
ورحلتْ
فازدادتْ فرحتُها
وهي تراها تغيبُ بعيداً عن عينيْهَا.

محمد الشحات شاعر مصري، نائب رئيس تحرير بدار أخبار اليوم، ولد عام ١٩٥٤ في الدقهلية، تخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية – جامعة القاهرة، عضو اتحاد الكتاب، صدر له عددا من الدواوين الشعرية منها: الدوران حول الرأس الفارغ 1974، آخر ما تحويه الذاكرة 1979، عندما تدخلين دمي 1982، تنويعات على جدار الزمن 1983، مكاشفة 1995، كثيرة هزائمي 1996، المترو لا يقف في ميدان التحرير 2012، أدخلوني على مهل 2013، يوميات ثورة 30 يونيو 2013، عندما هزني وجعي2014، البكاء بين يدي الحفيدة 2014، الحياة بلا أي وجه 2016، حروف الوطن 2017، محاولات لا أعرف نهايتها 2018، يكتب في دفتره 2018، ترنيمات شاعر قبل الرحيل 2019، سيعود من بلد بعيد 2019، رجفة المقامات 2020، متى ينتهى 2020، رجل مسكون بالزرقة 2021، ملامح ظلي 2021. كما نشر عنه عددا من الدراسات النقدية منها: المرايا النقدية – التجربة الشعرية عند محمد الشحات 2020 يضم 32 دراسة نقدية تقديم د. رمضان بسطويسي، مرايا الشعر.. مرايا النقد تحولات التجربة الشعرية عند محمد الشحات 2021 يضم 47 دراسة نقدية تقديم الدكتور أيمن تعيلب، الأعمال الكاملة – أربعة أجزاء 2021.