يوميات هناء في نيويورك – «السلام عليكم»

يوميات هناء في نيويورك – «السلام عليكم»

هناء غمراوي

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

خلال احدى حصص تعلم اللغة الانكليزية اونلاين، عرضت علينا المعلمة أن يعمد كل طالب الى نطق التحية المعتمدة في بلده بلغته الأم؛ ومن ثم ستتم ترجمتها الى اللغة الانكليزية ليتمكن الجميع من مشاركتها وفهم مغزاها. وكون طلاب هذا الصف ينتمون في الأصل الى بلدان وجنسيات مختلفة بدأنا بالاستماع الى كل منهم وهو ينطق بالتحية الخاصة بلغته الخاصة ببلده الأم.

كان معنا من الفليبين “ماكيادوس” وهو طالب ثمانيني نشيط، ومن تايلاند، “سامسونغ” امرأة سبعينية غاية في الرقة واللطف. ومن اليابان، كيشيكو المبتسمة دائماً، ومن الصين، “شارون” التي ما زالت تنطق الاحرف الانكليزية بصعوبة بالغة رغم مضي أكثر من عشرين سنة على إقامتها في نيويورك. بالإضافة الى زملاء وزميلات من المكسيك، كولومبيا، الارجنتين وان اشترك جميع هؤلاء بالنطق بلغة واحدة هي الاسبانية؛ فلا شك بأنه كان لكلٍ منهم التحية الخاصة ببلده. وكان معنا زميلتان من مصر، وكنت أنا من لبنان.

وصل عندي الدور لأنطق بالتحية؛ فكان اختياري للتحية العربية المعتمدة منذ ما قبل الاسلام، وهي : “السلام عليكم” نطقتها باللغة العربية ومن ثم عمدت الى ترجمتها الى اللغة الانكليزية كما هو مطلوب. وكم كانت دهشة الزملاء عظيمة عندما نطقت كلمة peace كترجمة لكلمة سلام.. وتابعت في الشرح بأننا نطلق هذه الكلمة كتحية لنعطي للشخص الموجود امامنا الشعور بالراحة والأمان اللذين تلخصهما هذه الكلمة ( السلام).

في الواقع لم استغرب دهشة زملائي واستغرابهم من مغزى تحيتنا التي من المفروض ان تلخص صورة عنا، وعن سلوكياتنا المتبعة كشعب وأمة. 

خلال احدى زياراتي لأخي المقيم في أوكلاهوما، والذي يسكن منطقة ريفية خارج المدينة، وخلال ممارستي لرياضة المشي بين الحقول هناك، كانت تعبر بين الفترة والأخرى سيارات قليلة، يقودها رجال أو نساء، شباب أو كهول القاسم المشترك بينهم جميعاً؛ ان كل من كان يعبر بجانبي يرفع يده بالتحية وكأنني من أحد معارفه.

ولدى سؤالي عن السبب كان جواب أخي: هذا تعبير عن الود ولتشعري بالأمان كونك تمشين منفردة.!

سؤال ظل يناور فكري من علم هؤلاء هذه الأخلاق؟ انها من صميم عقيدتنا وايماننا فكيف وصلت إليهم؟

للأسف نحن كأمة عربية تخزن في ماضي حضارتها السحيق الكثير من القيم الانسانية والاجتماعية، والتي تعززت وتكرست بنزول الوحي الديني على ارضها؛ فصارت المحبة والأخوة، والتعاون والتضامن والسلام، ونصرة المظلوم، وإغاثة الخائف والملهوف من عماد ديننا وحضارتنا.

فهل نحن فعلاً كذلك؟

هل نطبق بعضاً أو كلاً من هذه الشعائر في حياتنا اليومية وفي حياتنا العملية؟

هل نحن نطبق في حياتنا ما تعلمناه من هذا القول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)؟

وإذا اخترقنا النوايا والصدور كم ستكون نسبة المؤمنين فعلاً بيننا؟

اليس غريباً ان نلحظ شيئاً من حضارتنا، وتعاليم ديننا عند شعوب كانت تعيش الجهل والأمية التفكك والتشرذم الى تاريخ ليس بالبعيد!

ومن ينظر اليوم الى دول أوروبا أو إلى أميركا، وما تتمتع به من تنظيم اداري ومدني ودستوري. 

ومن ينظر إلى ما يتمتع به شعبيهما من حقوق مدنية واجتماعية دون اي تفريق أو تمييز. (لا فضل لعربي على أعجمي…)

وكيف استطاعت هذه القارة (أوروبا) بعد سنوات من الحروب الداخلية الشرسة. وبعد حربين عالميتين مدمرتين ان تجمع دولها على اختلاف اللغة، والأصل، والمعتقد في اتحاد يضمن وجودها ومصيرها؟

وكيف استطاعت الولايات المتحدة على حداثة عهدها نسبياً، وتنوّع وتعدّد الشعوب الموجودة على أرضها من تطبيق النظام وفرضه على الجميع؟

الجواب موجود طبعاً ولا يلزمه الا بعض التفكّر.

لن تنهض بلداننا العربية وتسير في ركب الأمم الا إذا سادها القانون، وعمت فيها الثقافة والعلوم، التي تقضي على جذور الجهل الداعية الى التمسك بقشور الدين فقط دون التعمق في روحه وكنهه.

لا بد من نظام مدني واحد يسود بفضل القانون ويحكم كافة افراد الشعب بلا تفرقة ولا تمييز. ولن نختلف وقتها مع من يصلي ساجداً، أو جالساً على كرسي، أو متأملاً في معبد، أو تحت شجرة في رحاب الطبيعة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.