ركون إلى الظل

ركون إلى الظل

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الياباني أوتاغاوا كونيوشي

استأذن السائق أن يضع وقودًا في العربة، إذ أنه على وشك النفاد، أخبرته سيدة عجوز بالخلف أننا أوشكنا أن نصل، لكنه رد عليها بأن هناك بضعة كيلومترات تفصل بيننا وبين الوصول، الأمر لن يستغرق وقتًا.

حين اقترب من محطة الوقود، دخلها مسرعًا، عرج على منصة إسمنتية على شكل “مصطبة” عالية صعد عليها بكامل قوته، قال وهو يحكم كبح جماح سيارته، عليّ أن أنظفها الأول مما طالها من وسخ من طول السفر لأشهر كثيرة، نصف ساعة و لن تزيد، ثم أطفأ المحرك، تركنا في حيرة من أمرنا.

تركنا في الهواء، بيننا وبين الأرض مسافة كبيرة، بينما تحيط بنا بركة مياه جارية، لا سلالم للنزول، فغامر بعض الصبية بالقفز من تلك المسافة، سقطوا فأصيبوا واحدًا بعد الآخر، فضلوا ألّا يستكينوا للظل.

 لكنّي بحكم سني ووهن جسدي لم أفعل مثلهم، فاكتفيت بأن أرقبهم من قريب، أثني على مهارة هذا، أدعو في سري لآخر، حتى قاربت الشمس على الرحيل، أدركت عمق أزمتي حينما لفحت وجهي نسمات باردة تنبئ أن الليلة قارصة، الظلام حسبما علمت هنا يهبط بسرعة غريبة، يشتد حتى لا ترى سبابتك وهي أمام عينيك.

ماذا أفعل؟ هل أقفز مثل من فعل؟ هل أضمن سلامتي؟ هل أقف ثانية على قدمي إن قُدّر لي ذلك؟ غيرها من أسئلة طافت ببالي، وأنا أقف عاجزًا كدرًا، حتى التفت إلى صبي يلهو في البركة من سويعات، يمسك بيده سمكة كبيرة، تجاهد في النجاة بنفسها والفرار للماء، لكنه يتشبث بها، يُطلق علي خياشيمها أصابعه الغضة، فلما يئست السمكة أسلمت أمرها، أدركت أن جهادها دون طائل وأن قدرها يسعى إليها على رغم منها.

لحظت ذلك، ثُبت إلى رشدي قليلًا وقلت: من أين جاء هذا الصبي؟ أراه من فترة يلعب بصخب جوارنا، ونحن في بؤس نبحث عن مخرج!، لم أتردد هبطت للبركة الجارية فوجدتها ضحلة، المياه لا تصل لكعب قدمي، سرت مع الصبي حتى وجدت سلالم حجرية مختفية تحت الماء، قادتني إلى خارج البناء، حيث التقيت صخب الشارع بفرحة غامرة، قبيل خروجي، التقطت السمكة من يد الفتى وألقيتها على طول ذراعي في الماء، فهبطت سريعًا ثم خرجت بقفزة على شكل قوس كبير، رمقتني بعينيها الباردتين، ثم غابت للأبد في ظلمة الماء. لويت عنقي لأشكر الصبي فوجدت وجهه مكفهرًا من الغيظ تكاد دموعه تفر من مقلتيه، بدا لي أنني رددت الحسنة بسيئة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.