التشكيلي ماجد شلا.. فلسطين في وجوهٍ أخرى

التشكيلي ماجد شلا.. فلسطين في وجوهٍ أخرى

خالد جهاد

قدم الفن والفنانون الفلسطينيون على مدار عقود صورةً شاملة للمأساة الفلسطينية منذ النكبة كما قدموا التراث الوطني بشتى تفاصيله ورموزه وأيقوناته، فشكلت صورته في الوعي الجمعي العربي بشكلٍ خاص، لكن التفاصيل الأخرى القادمة من فلسطين تظل مجهولةً أو غير واضحة المعالم في الأذهان، بدءاً من ملامح الشخصية الفلسطينية وذوقها وأنماط تفكيرها وأحلامها وتطلعاتها ولهجتها وصفاتها، كأي شخصيةٍ أخرى في العالم بعيداً عن التنميط، ومن هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على واقع الإنسان الفلسطيني ويومياته، لتقديم مقاربة أو معايشة له من خلال أعمال فنية تحمل روحه وبصمته وأنفاسه وأحاسيسه التي لم يعتد المتفرج على مشاهدتها عن قرب، ولذلك نحن اليوم في رحاب تجربة الفنان الفلسطيني ماجد شلا..

تجربة التشكيلي الفلسطيني #ماجد_شلا لا يغيب عنها الوجع الفلسطيني ويقدم نظرةً أكثر شمولاً وعمقاً تركز على الإنسان وتجعل منه محور الحدث ففي لوحاته المزدحمة بالوجوه مختلف التعابير التي تلصق الفلسطينيين ببشريتهم، وتحاكي ألمهم وقلقهم وترقبهم للغد وما يحمله من مفاجآتٍ وأسرار #خالد_جهاد

فتجربته المختلفة لم تغب عنها أبجديات الوجع الفلسطيني أو تراثه أو أيقوناته، لكنه قدم نظرةً أكثر شمولاً وعمقاً واتساعاً تركز على الإنسان وتجعل منه محور الحدث وليس مجرد صدىً أو ردة فعل له، فنلمح عبر لوحاته المزدحمة بالوجوه التي يوليها اهتماماً كبيراً – بالإضافة إلى لغة الجسد – مختلف التعابير التي تلصق الفلسطينيين ببشريتهم، وتحاكي ألمهم وانتظارهم وحبهم ولهفتهم وقلقهم وترقبهم للغد وما يحمله من مفاجآتٍ وأسرار لا يغيب عنها التوق للحب والحنين إلى الماضي والأحبة والرغبة في السلام والهدوء والطمأنينة، كما تشي تلك الوجوه الحائرة باستغراقها في أحلام يقظتها والتفكير في أشكالٍ أخرى للحياة والحرية والانعتاق من أغلال الاحتلال التي تكبل وتعطل مسار الأيام وتسرق من البشر أغلى ما يملكونه؛ عمرهم وأحبتهم..

كما أن هذه الوجوه تحمل قدراً كبيراً من التعاطف والتراحم تجاه الآخرين خاصةً وأن كلاً منها يطفح بالحزن ويعيش حالةً استثنائية من الشجن المستمر، خلقه وجود المستعمر فيما بينهم، مما غير نظرتها إلى كل ما حولها مهما بلغت بساطته، ويعتبر من البديهيات التي قد لا ينتبه لها الكثيرون في أي مكانٍ آخر، فالبحث عن الحياة بينما نعيش على قيدها شعورٌ بالغ القسوة ومرتبطٌ بإحساس الوجود خارج دائرتها، ويتجلى ذلك البحث من خلال أعمال ماجد شلا عبر الانتظار المتكرر واللامنتهي في كل شيء ولأي شيء، عبر النوافذ التي تشكل المتنفس شبه الوحيد للقلوب التي لا تملك أن ترتاح رغم تعبها، وتمني نفسها للحظات بشيءٍ من الحب والدفئ الذي قد تبحث عنه في مزهريةٍ أو منضدة أو كرسي أو صورةٍ لعزيز، تبحث عنه في أعماقها أو وسط الزحام، أو بينما تقف على أحد الحواجز ونقاط التفتيش الكابوسية وصالات الانتظار، تلك الأمنية المسكونة بالهواجس والمحفوفة بالخوف من المجهول والمشوبة بترددٍ منبعه ذاكرةٌ ممتلئة بالوحدة والتخلي والخذلان والقصص المبتورة بلا نهاية، ونرى رمزيته أيضاً في تلك النظرات الحالمة بالتحليق كالطيور وتحاول أن ترى العالم بعيونٍ ملونة ترى سلواها بين الأشجار والطبيعة وتتعامى عن كل ما يكدر صفو خاطرتها..

لا يمكن أن نتجاوز ذلك الحضور الطاغي للمرأة كبطلةٍ رئيسية أو جزءٍ مهم من أغلب لوحات (شلا) مما يكسبها بعداً جمالياً وإنسانياً يوثق يوميات الفلسطينيين كونها عصب الأسرة ومصدر الهامها وقوتها عندما يغيب الرجال ويبعدون في سجون الاحتلال ويلقى على عاتقها تأدية أكثر من دور وتعيش وتواجدها بأكثر من شخصية يتطلبها الواقع المرير الذي يأخذ منها كل ما تملكه ليبقى لها فتاتاً يدفعها للانطفاء رغماً عنها..

وبرغم مشاركة الفنان الفلسطيني (ماجد شلا) في الكثير من المعارض والفعاليات المرتبطة بفلسطين إلاّ أن أعماله تظل ذات لمسةٍ فريدة وصورةٍ مغايرة عن تلك التي اعتاد عليها المتابعون في الفن الفلسطيني، وهو ما يحسب له حيث استطاع أن ينوع بين لوحاته وشخصياته، كما أبدع في نقل يوميات الفلسطينيين بكل تجرد وأخرج قضيتهم من التكرار في التناول والطرح والمعالجة، مما جعلها أكثر التصاقاّ بإنسانيتها التي أرغمت على تناسيها حتى إشعارٍ آخر، مع أنها جوهر القضية وأبلغ صورها في التعبير عن وطنٍ سلبت منه الأرض والروح وبقي له أحلامٌ تأبى أن تنكسر.


التشكيلي الفلسطيني ماجد شلا

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.