الشفقة

الشفقة

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان العراقي محمد الخزرجي

صديقي..

سأحدثك عنها، فأنت لا تعرفها، ولكن لابد أنك تعرف الكثير من أمثالها.. أشفقت عليها لِمَ؟ لا أدري! ربما ليكون عندي قضية أعمل من أجلها أو ربما لأنها فقيرة بالمال والجمال.. فقيرةٌ بالثقافةِ والحظ، وكذلك الأمر بالزملاء والأصدقاء.

حادثتها، حادثتني، قربتها، اقتربت، رفعتها، ارتفعت، اقتربت مني أكثر، قارنت نفسها بي ثم قارنتني بها. أصبحت بموازاتي.. ثم ارتفعت وترفعت.

كادت لي، تجمّلت، خانتني.. غازلت زوجي، تقربت منه، حاولت إبعاده عني! رمتني دون أن أعلمها الرماية، كرهتني وأنا مَنْ أحبها وأشفق عليها، أساءت لي وأنا من أحسن إليها، كنت مقتنعة أنها فقيرةٌ بالذي ذكرت وما زلت، ولذلك أشفقت، ولكن لم أكن أعلم أنها فقيرةٌ بالأخلاق!

إنه العشق 

صديقي..

رغم الغدر فميزانها التجاري صفر، لا خسارة ولا ربح.. كيف تحققت هذه المعادلة؟ لا بأس، سنناقش مسألتها معاً، هي ممن نقول عنهم فاتهم القطار، أما المجتمع فله تسميته التي تعتبر شتيمة أكثر منها توصيفا.. نعم، نعم إنها عانس. وكانت مستسلمة حتى ظننت أنه كان يكفيها أن يُقال فيها كما قال الفرزدق برباب:

رباب ربـــة البيت *** تصب الخل في الزيت

لها عشر دجاجات *** وديك حســـن الصوت  

وما إلى ذلك، لكن ما الذي حدث؟ وكيف تغير حالها؟ ومن هو الذي غدر بها؟ وبمن غدرت؟ إنه هو، ذاك الذي استبسل في إمالة قلبها، استبسل استبسال الأبطال.. فالموت أو العشق، لاحقها على مدى أشهر ليحظى بنظرة من عينيها، موضّحاً كم هو متيم بها، وبأن قلبه معلق بأهدابها، وروحه معلقةٌ بأطراف ثوبها، وزد على ذلك فهو سيتزوج إن كانت هي أو غيرها، على كافة الأحوال سيتزوج، ويفضّلها هي، فقلبه معلق بها لا بسواها، وفكّرت.. إذاً ما المانع؟ سيصبح لها بيت في النهاية وستكوّن أسرة، وسيصبح لها توصيف آخر وهذا هو المهم، وكما لكل الأشياء بداية، كانت بداية قصتها العشق. 

استمرت معه خمس سنين.. سنة وراءها سنة؛ متعللاً يجب أن ننتهي من هذه، وأيضاً من هذه.. وانتظري ليصبح الوقت مناسباً، وتريثي قليلاً حتى نستطيع مواجهة الجميع و.. وبعد خمس سنين وضعته على مفترق طرق إما الآن وإلاّ.. فلا، فكان جوابه.. فليكن.. لا! 

لم تصدق بادئ الأمر، لكن هذا ما حدث، فكّرت باكية، محمّلة نفسها جزءًا من المسؤولية لأنها ضغطت عليه.. الآن بعد هذا الأمل وهذه الخيبة جلست تندب حظها لأنها تعلقت به، ومشفقة عليه لأنه يتعذب منها وعليها، وهما كما قال جبران: 

وقاتل الجسد مقتول بفعلته *** وقاتل الروح لا يدري به أحد

قتلته وقتلّها، لكن أيتها الباحثة عن الأحياء بين الأموات، قومي انفضي الغبار عن جبينك فإن حصانك قد كبا، لا، لا تحثيه مجدداً، فلقد انتهى السباق، وإن كان سيتزوجك أنت أو سواك، لماذا أنت؟ فلتكن سواك، ولتكن سواك هي من يدخل على آسرة آمنة مستقرة، وسواك من يغدر بصديقتك، ومن يصاحب ويلهو ويخون، لكن جوابه أتاك بعد أن أفرغك وبرضاك، غدرت بها وغدر بك.

أترين؟ لا خسارة ولا ربح.. تساويتما بالمذلة.. مزيد من الألم والطعنات ومزيد من السمعة السيئة والخيانة ومن قلة الكرامة، وإن وجد أحد له حقاً فهي صديقتك ميزانها خاسر، أما هو فلا تقلقي، سيجد أخرى يعلق قلبه بأهدابها، وروحه بأطراف ثوبها، أو ربما بأطراف حذائها، سيبحث عن الأموات بين الأحياء، عن اللواتي هنّ مثلك، ليعيد لهنّ بريقاً كاذباً للحياة، ويتعلقنّ بأطراف وعوده كما تعلقتِ.. ويعطينه كما أعطيتِ.

مهلاً.. تريدين ركوب القطار؟ وعلى حساب أيٍّ كان؟ أم إنه العشق؟ ربما هو

العشق، وما أدراك ما العشق.. يفقد الصواب ويطير باللب.. والله الشافي منه ومن كل بلاءٍ عظيم.

أتمنى أن تكون تجربتك القادمة أقل مرارةً والله الموفق. لكن صديقي.. لأية درجة هو مسؤول؟ وما هي درجة مسؤوليتها؟ وإلى أيةُ درجة هي مسؤولية الزوجة؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.