صاحب الظل الطويل

صاحب الظل الطويل

اللوحة: الفنان الجزائري مولود زواغي

نهلاء توفيق

كم كنتُ مولعةً بمسلسلكَ الكارتوني وأنا صغيرة ومازلت. كم كنتُ أتخيلك طويلاً جداً أطول من باب غرفة الضيوف في بيت أهلي القديم ومازلت. كم أحببتكَ بل عشقتكَ مخيلتي وروحي، وكم نمتُ ويديّ تحت راحتيّ تهزُ رأسي وتهدهدُ الحلم فيه.كم وكم!

وكم اشتكيتُ لك وبكيتُ فأرسلتُ لك آهاتي وتنهداتي.كم طبطبت على ظهري حينما رسبتُ في مادة التاريخ وضربني أبي، كم كنت أكره ذاك الكتاب الأصفر ههههه.. وكم مسحتَ دموعي بيديك الحانيتين حينما تشبعني أمي ضرباً لأني أغار من صغيرتهم المدللة والتي تحظى بكل جميل.. كم وكم!

اليوم إليك مذكراتي، يامن آمنه على سرّي وممتلكاتي، فأنت الشخص الوحيد الذي يغفر لي كل كذباتي وجرائمي، نعم، إنه أنت، ولا أحدٌ غيرك، فلتغير نظرتك لي وتوقعاتك، الأمر جداً بسيط بالنسبة لي، بعدما انهدَّ الكون بعظمته أمامي وصار كنقطةٍ صغيرة تافهة لا تمثل لي شيئاً.

لقد كبرتُ يا صاحب الظل الطويل، ولم أعد تلك الطفلة التي تتنظرك الساعة السادسة مساءً، وتنبطح على بطنها كي تعشقك كل مساء.. كبرت، ويجب أن تسمع اعترافاتي: أنا.أنا.. تباً تباً، لا أستطيع البوح بجرائمي، إي وربي، أنا خجلةً حتى منك.. تصور! أنا خجلة منك، هل لي بشقِّ تلك الوسادة التي أودعتها كل أسراري؟ بل جرائمي؟ نعم جرائمي.. ولكن لحظة، لقد نسيتها، إي وربي، نسيتها كلها.من أنسانيها؟ ربما أنت! نعم، ففي حضرتك يموت كل قبيح، ويبقى كل جميل.

حسناً ياعشقي الأول، اليوم تقدم لي عريس، هذا الذي يسمونه عريسا تقليديا.. أوه نسيت، بل يسمونه زواجاً تقليدياً بعد أن يزفوني إليه.. كيف لك أن ترضى بأن أخونك؟ متأكدةٌ تماماً أنك لا ترضى، وستزورني كل مساء، بعد أن أرضي العريس ويتنحى جانباً، أضع يديَّ تحت الوسادة فنكمل سرد حكايات الكرتون.

اليوم أفتح وسادتي، فقد تذكرت كل شقاواتي، وسأضع يديّ على عينيّ المغمضتين، فأنا أخجلُ من سردها بعيون مفتوحة.. الحبُّ يبعث على الخجل لو تعلم، احتفظْ بمذكراتي أرجوك، فأنا أخاف عليها من الضياع في زحمة بيتنا المزعوم، أما عن جرائمي، فستكتشفها أنت بنفسك، وستقوم بضربي، وسأعلن للناس بأني لا أتألم، وسأؤكد لهم أن بعض الحنان ممن يشخرون يوجِع، وبعض الضرب ممن ظلهم طويل فيه حنانُ ممتع.

….

لا تأبه له، إنه يشخر، يشخر إي وربي، يشخر حتى الصباح.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.