أسود وأبيض

أسود وأبيض

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

نهلاء توفيق

قتلْتُهم كلهم، فزتُ ووصلت نهاية المرحلة؛ فانتعشت؛ ولكن هل انتهت المرحلة حقاً؟ لا، لم تنتهِ، وأنا في أخرى، ومنها إلى أخرى وأخرى.. ومازلتُ أقتل وأربح وأفوز، وأنا جالسٌ على الأريكة فتتحكم يداي بكل الجولات، أصيح بأعلى صوتي: يااااا الله..! يرتفع جسمي من مكانه وتتحرك الأريكة؛ فيدخلا إلى الغرفةِ كعادتهما مهددين متوعدين بإلقائي في مستشفى المجانين.

أمي وأبي لا يفهماني، فلم يدخلا عقلي وجسدي كما دخله البوبجي، أقسم لهما أني لن أدخله اليوم، وأتحول للفيس، فأطير بين هذه المجموعة وتلك.إنهم يدعونني للرذيلة يا أمي.. وآه لو تعلمين.. ولكنك غارقة بين صحون المطبخ وحوض الغسيل، وبين جدالاتك مع أبي وصراخك مع الشغالة.

عثرتُ على ألبومٍ قديمٍ للصور، وكانت جدة أبي تطحن الحنطة بالرحى، فتكوّن منه الناعم والخشن بيديها التي تشبه ماكنةً حديثة معتقة. 

 كيف كانوا يصورون هذا يا أبي؟

– كاميرا حجمها كبير، ثقيلة جدا، ويتم تحميض الفيلم في المدينة. 

– فيلم؟

– نعم فيلم.. فيلم!

– وأين الألوان؟

– لم تكن الألوان قد غزتنا، كنّا لونينِ فقط يا ولدي، أسود وأبيض، فقط. 

صورة أخرى للبقرة تحضنها جدة أبي، قال هي صديقتها، ويوم شاخت قرروا ذبحها، هربت جدتنا إلى بيت أخيها فلم تبرحه أسبوعاً.

– كيف هم أصدقاؤك؟ أرأيت؟ إنها بقرة!

– أجمل من بقرة جدتك ها ها..

صورة خالة أبي جانب النهر وهي تغسل الصحون.

– كيف ينزل ماء الغسيل الوسخ فيختلط مع ماء النهر النقي؟

– يا ولدي، كلها نقيةً ذاك الزمن.. كلها، فالنهر لا ينجس بل هو يطهر كل شيء. 

لا تهمني صورهم ولا فيلمهم، الفيلم الذي أنا فيه يسحرني ويقيدني فأكون بلا حراك خارجه.

– صوركم متعبة أبتي.

المجموعة السياسية عندما دخلتها، أصابني السب والشتم منها ما أصاب، وحتى سبُّ أبي وأمي وعشيرتي كلها؛ اضطروني للتبرؤ من عشيرتي كلها، وطائفتي التي لا أفهمها أصلاً.. علموني كيف أسبّ وأشتم وأزيد: أختك.. أمك.. ياا ..

أما المجموعة الثقافية فقد جاؤوا بالرب على طاولة تشريحٍ نجسة قذرة، وصاروا يقطعونه ويقزمونه ويرفعونه كيفما شاؤوا.. تعلمتُ أن يكون لي مئة رب ورب، فلكل مذهب رب ولكل عشيرة، آخرون مختلفون.

أما الخاص، وما أدراني ما الخاص، فقد تعلمت الإجرام بالتشهير؛ فنشرتُ صورها عاريةً كما بعثتها لي، السبب بسيط جداً، فهي لم تنفذ طلباتي، وهكذا علموني. الفضيحة لم تتحملها فانتحرتْ.. انتحرتُ أنا داخل البوبجي، ويطلبان مني أن أترك البوبجي! يا لسخافتهما.

صحوت على بكاء أمي ونحيب أبي: هل سيصحو؟ هل هو بخير؟ أجبنا أيها الطبيب أرجوك.

– خير، خير إن شاء الله، سيكون بخير. 

جسمي يرتعش، وشفتاي تهذيان بالقتال والعريّ والسب والشتم والقذف، وصورة الرحى تدور في رأسي وتدور.. صحت في وجه الطبيب وهو يغير أنبوبة المغذي: ويحك أمك أختك يا إبن ال..

زرقوني إبرة أحالتني للبوبجي وأنا أهذي: كلكم دخلتموه.. كلكم.. حتى طبيبكم المعتوه هذا ابن ال..

– يجب أن يترك السيجار والأركيلة والحشيش و..

– حشيش؟! ابننا لا يتعاطى الحشيش.

تركهم الطبيب في حيرتهم ووقع على أمر خروجي، وأبي يصفق يداً بيد. 

تشاجرا داخل المستشفى، فكلٌ يرمي بسبب هذا على الآخر وأنا أصرخ: كفااااكم يا أولاد ال…

رموني كالجثة على سريرٍ في الصالون، أغلقوا غرفتي، فكنتُ في عالم آخر جديد عِفته شهوراً، بدت الحياة غيرها، وأنا الآن أتفحص الوجوه جيداً بما فيهم وجه الشغالة. 

أخي الصغير يا إلهي، قد نسيته، هل حقاً أنه أخي؟ الطعام، هل أكلنا سوية اليوم؟ 

رحتُ أتفحص الألبوم من جديد.. يا له من رائع..

– أبي، أريد أن أعيش حياة جدتك بالأبيض والأسود، كيف لي هذا الرحى، التنور، النهر، البقرة..

– الألوان.. الألوان مسحتهم ولدي!

رأي واحد على “أسود وأبيض

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.