هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا
صديقي…
سأحدثك عن مريم، مريم مُدرّسة تعينت في مدرسة ريفية، تعرفت عليها عن قرب في إحدى زياراتي إلى تلك المدرسة.. أحبّها وأحبّته منذ كانا صغيرين، من أيام الطفولة والمدرسة، لعبا معاً.. كبرا معاً.. تعلما الحياة معاً.. وكذلك دخلا الجامعة معاً.. أكملت دراستها، أما هو لا، كان عليه أن يعمل حتى يستطيعا الزواج بسرعة. تزوجا.. تخرجت.. أنجبا طفلين وتحسنت احوالهما المادية؛ فاشتريا بيتاً.. تعينت فأهداها سيارة.
عادت أخته الى البيت مطلقة؛ فاشتعلت الغيرة وأُضرمت النار في بيت مريم، صمتت لعلّها ترضي الزوج والحموين وابنة العم المنكوبة فلا بد أن الأزمة عابرة، وكلما كان يزداد صمتها كانت النار تستعر أكثر! إذاً ما العمل؟ عليها أن تظهر حسن النية، وأن تتعاطف معهم في حقهم وضلالهم، وأن تبدو مسالمة ومستسلمة، وغبية إن لزم الأمر، هي من كان يلسع بالنار؛ لذلك هي من كان عليه ان يفكر بالحل، أسبوع واحد وتنتهي العطلة الصيفية، ومع انتهائها ستنتهي سكينتها، سيعودون إلى جوارها وستعود أزماتها، إذاً ما هو الحل؟ عليها أن تكسب ودّهم.
اقترحت على الزوج أن يذهبوا عند أهله حيث كانوا يصطافون في القرية، يوم الوصول وقبل حلول ظلام الليل, أشتبك الصغار، سريعاً أصبح الاشتباك بينها وبين أخته ومن ثم بينها وبين كل من كان في البيت، عندها أيقنت أن المشكلة مفتعلة، فما كان منها إلا الذهاب إلى بيت أهلها لتبيتَ ليلتها وعند الصباح تعود لبيتها.
في اليوم الثاني هاتفته محاولة توضيح الأمور التي حدثت معها بعد ذهابه، وسألته: اين انت؟ أريد أن أعود إلى البيت، رد عليها بهدوء قائلا: لدي عمل عندما أنهيه سأحادثك مطولاً، في نفس اليوم مساءا عاودت الاتصال به غاضبة، مرددة، تعال الآن وخذني إلى بيتي، لا أريد أن أبقى لحظة واحدة في هذه القرية, لا بيت أهلي ولا بيت أهلك. هدأها واعدا إياها بمفاجأة، ورغم جرحها سألت بدلال ماهي؟ تمنع مبررا، فكيف ستكون مفاجأة إن قلت لك؟ وتابع: مريم فقط انتظري ثلاثة أيام.
يومان فقط مرّا، حصلت بعدهما على المفاجأة المكافأة، كانت ورقة.. ورقة على صغرها تحتوي رجولة الرجال وذمة القضاة, وتلاعب المحامين، وحب مقتول وحقد الحموات وبناتهن, وحلم امرأة وأطفالها، و… قانون دولة.
الآن.. بعد الذي حدث لم تعد تريد إلاّ شيئاً واحداً، تريد أن تعرف لماذا طُلقتْ؟ وحُرمت من بيتها وزوجها؟ ربما يكون الجواب عند التي طُلقت قبلها، فيجب ألا يبقى بيتا عامراً بعد بيتها, ولا أولاد مع أبويهما بعد أولادها, ولا امرأة في بيت زوجها بعدها هي, هي فقط وبعدها الطوفان.. ولمريم صبرها الذي اعتادت عليه مدة سنتين في ظلِّ ذكر حمل أسم الرجولة!
هجوم للدفاع
صديقي…
في آخر مرة رأيتها فيها كانت في حالة من حالات النقاهة، وكان أولادها معها،
وقد لاحظت مدى تعلق الأولاد بها، وتحدثنا بالشكل العام والخاص، وبالطرق والأساليب التي يجب أن تتبعها للاحتفاظ بالأولاد مبديّة ألمها وحزنها ليس من أجلها فقط إنما من أجل الأولاد الذين يسألون عن أبيهم باستمرار.. فحدثت نفسي: ترى إلى متى ستستمر أزماتها؟ وإلى أي مدى يمكنها الصمود؟ وودعتها على أمل أن أسمع منها وعنها الأخبار الطيبة داعيه لها أن يقف الله إلى جانبها.
شهر مَرّ، شهر واحد فقط حتى بدأت بالهجوم – الدفاع.
صديقي..
أراك تقول لا أدري كيف يكون ذلك؟ وأنا أيضا أقول لا أدري كيف يكون ذلك؟ لكنني أعرف الذي حدث من لسانها والقول لها: تركت الأولاد له ولإمه فليتعذبوا بتربيتهم، وأيضا وجدت لنفسها مبرراً أخر وهو الأحداث التي تجري في منطقتها، وعلى حد قولها عند أبيهم أمان أكثر من عندي.
وأنا أقول هل كانت تعلم بالأحداث مسبقا؟ وإن كانت تعلم هل هذا مبرر؟ إنهم أولادك، لهم ما لك وعليهم ما عليكِ، إن كانوا سيحيون فليحيوا بحضنك وإن كانوا سيموتون فليمتوا بحضنك.
وأسألها: عزيزتي، من حول أولادك إلى حذاء «الزيدي»؟ وإذا كان حذاء «الزيدي» دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وربما يُحجز له مكان في المتاحف، وقد يدخل مجموعه غينس على أنه الحذاء الأهم الذي له أكبر عدد من الصور والمقالات، والذي تناولته الأخبار على الفضائيات في خبرها الأول على مدى عدة أسابيع على أنه الحذاء الذي رُشق على رئيس أعظم دولة كما يصنفها القاصي والداني، وإذا كان حذاء «الزيدي» يليق بأكبر الرؤوس يوضع كتاج عليها وأصبح مدعاة عزٍ لمن لا عز لهم، فأنا أسألك هل تطمحين بمستقبل لأولادك يماثل ما وصل إليه هذا الحذاء؟ هل سيدخلون التاريخ بدخولهم بنفق مظلم من الإحباطات والخيبات والقهر وقلّة الأمان والحنان؟ وهل سيحجز لهم مكان في الأزقة وعلى الأرصفة ولاحقا ربّما في السجون؟ وهل سينالون شرف مجموعة غينس بأعداد الغصات والمنغصات والشتائم وقلة الأهمية والاهتمام؟ فأنت وكما تعلمين إن من أعدّ نفسه لزواج ثان يبذل من أجله الغالي والرخيص، فمن المؤكد أنه لن يشغل باله بالأولاد، هذا أولاً، وثانيا «ما في أغلى من الولد إلاّ ولد الولد» أي بمعنى ليبقوا عند جدتهم أفضل لهم، وثالثا وهو الأهم: الأمر الذي من أجله قامت معركة الأحذية هذه هو أنه لو كان يريدك فأنت حبيبته وزوجته سابقاً وأم لأولاده لاحقاً، أعود وأقول لو كان يريدك هل يحتاج إلى ضغوط ومُحفزات؟ أم إنك تبحثين عمّا بحث وستجدين ما وجد؟ وستكونين أكثر اطمئنانا على الأولاد فيما لو كانوا عند جدتهم.. «فما أغلى من الولد إلا ولد الولد».
ولا بد هي رسالة للجدة في غياب الوالدين, لكن أين رسالتكما كوالدين؟ واذا كان عاقّاً بأمه وأولاده؟ أين رسالتك أنت؟ والتي لا تعلو عليها رسالة لا في الأرض ولا في السماء ولا عند العبد ولا عند الرب، لا عند المخلوق ولا عند الخالق.
أهو الانتقام؟ أم أنك لم تستطيعي الاحتمال؟ أم أننا نحمّلك ذنب من قام بالذنب وأنت تحمّلينه للأولاد؟
إذا: هي جدلية القهر وتحويله، وأخيراً أستقر عند الأولاد الذين لاحول لهم ولا قوة، لكن الذي أعلمه أنكما لعبتما معاً وكبرتما معاً ودرستماً وتزوجتماً وانجبتما كلًه معاً، والأهم انتقامكما معاً وتخليكما معاً وذهابكماً كلٌّ في طريق لنفسه غير أسف على ورود يدوس عليها، وتنشأ في تربه غير تربتها، وقد تتحول إلى أشواك، وقد تموت!
القصاصة رائعة والختام بديع. أحسنت
إعجابLiked by 1 person
شكرا استاذ ايمن
إعجابإعجاب