أين ينبع النهر؟.. «ظلالي في المساء تعانق أطياف تمبكتو وللقلب وجيب»

أين ينبع النهر؟.. «ظلالي في المساء تعانق أطياف تمبكتو وللقلب وجيب»

اللوحة: الفنان الألماني يوهان مارتن بيرناتس «تمبكتو من شرفة منزل المسافر»

حمود ولد سليمان – غيم الصحراء

«إلى من عبروا النهر.. إلي مانجو بارك ورفاقه» 

تمبكتو

مليكة من حجر وطين أحمر 

أصفر وأخضر وأحمر 

لحنا غجريا هائما يبكي

 على سفر 

ذهب ضفائرها  

على ضفاف النهر

تمبكتو

مليكة من حجر وطين أحمر 

بحر من الزرقة يهطل مع المساء 

نوارس مفتونة بالزرقة في السماء 

تمبكتو مليكة من حجر وطين أحمر 

ذهب ضفائرها على ضفاف النهر 

يا يوهان(١) هنا 

وهاهنا عبروا 

وكانوا يسألون اين ينبع النهر؟ 

هاهنا كان بارث(٢) يلوح بيديه 

للماء

ويضحك مأخوذا بنشوة اللقاء 

هاهنا كان الصيادون يدندنون 

أغنية للعابر والمطر 

 تمبكتو 

مليكة من حجر وطين أحمر 

هذا المساء  

صغار نوقها يحن لها الحنين 

رمالها البيضاء تسر الناظرين

يهرول لها الحنين 

هذا المساء  

يا لهناء النعيم البري يمد ظلاله للشجر 

يا للنياق السارحات والبقر 

تمبكتو مليكة من حجر وطين احمر 

ذهب ضفائرها على ضفاف النهر 

 يا للمساء 

 يطوح الحنين 

ويمتد في البعيد.

تعالي يا يوهان 

اريك سحر الألوان 

تعالي أريك النهر الذي لم يزل غضا 

والصحراء التي لاتزال جنة 

والقصبة التي تحدث عنها الركبان 

هذا باب السلطان

وهذا باب النيل 

وهذا باب النهر 

وهذا باب العبيد 

فاطرق أي الأبواب، يأتيك منها ما تريد 

تعالي وافرد جناحك للبعيد وأطلق مخيلتك 

وارسم ما تريد  

دع الريشة تغرق في تماهي اللون والقلب 

ودع المساء في ظلاله يعانق تمبكتو 

من شرفة المسافر الغريب العنيد 

دع الحلم يسافح الشريد 

وارسم ما تشاء 

وتخيل ما تشاء

وارسم ماتريد 

تعالي أريك النهر 

الذي بكيت عنده.

وبكي معي العندليب 

تعالي

أريك جوهرة الصحراء 

التي طعنتني بخنجرها 

تعالي أريك 

تحفة أبي إسحاق الساحلي(٣) التي سارت بها الركبان 

تعالي لنمشي في الليل نحو النهر 

وقبل أن يطلع الفجر 

ويقبل الفاروق(٤) بفرسه السماوي 

نعود للتمبكتي(٥) لنصلي معه الفجر 

تعالي لنسامر ملوك السونغاي 

ونسأل مانسي موسي(٦)

عن مدينة الذهب 

عن مدينة العجب  

تعالي يا يوهان 

أطلق مخيلتك لملكة الخيال 

هذا رينه كاي(٧)

علي حافة النهر 

يرمق النخيل ويحدث نفسه عن الربح والخسارة 

والطموح والجسارة 

كم كانت تمبكتو !!

كم كانت تمبكتو بعيدة!

كم كانت تمبكتو عنيدة!

كم كانت تمبكتو شديدة!

كم كانت تمبكتو مخيبة للآمال، 

لم تكن تمبكتو سعيدة 

لم تكن تمبكتو فريدة،

ولم تكن الجائزة في آخر المطاف تستحق العناء 

ضاع العمر وراء نيل الابتهاج  

تعالي

أريك اين كان ينام هاينريش بارث 

واين كان يجلس في مجلس التمبكتي 

وهو يحدثه عن الله وعن الصحراء ومخطوطة السماء 

وأين كان يتسلل في الليل متخفيا 

إلي الجموع، ليستمع للمغنين وهم يرقصون  

وأين كان وراء البهو يرعى نجوم الليل 

تعالي

لنمتطي فرس تمبكتو(٨)

قبل ان يمتطينا الغلس  

ويفرقنا الزمان 

لنمضي لنيل الابتهاج يا صاحبي 

امام باب السماء 

هوذا احمد بابا التمبكتي(٩)

في غرة الصبح يمشي 

ولجنكير شمر الثياب 

أتعرف؟

احمد بابا التمبكتي نضر الله وجهه 

احمد بابا محب تمبكتو 

احمد بابا التمبكتي نور الله ضريحه 

تمبكتو كلها تحبه   

واحمد بابا التمبكتي 

لا غيره له المآب 

تعالي يوهان 

 في حضرة أحمد بابا 

لنستمع للشيوخ يترنمون بالبردة واشعار سلطان العاشقين 

في ليلة المولد النبوي الشريف 

تعالي لنسأل أحمد بابا 

عن الآية والكتاب 

يا يوهان يا رفيقي العزيز 

هل فكرت مثل مانجو بارك(١٠)

أين ينبع النهر؟ 

قبل ان يجيء كاي

وهاينريش بارث 

وبارك؟

وهل تعرف أن لا أحد يعرف الانهار غير الشعراء 

هل فكرت يا يوهان اين ينبع النهر؟ 

وأين المصب واين القلب 

هل سألت هاملت الذي حطمه الظل 

عن حبيبته اوفيليا؟

وهل “عرفت الدار بعد توهم!”؟

وهل عرفت 

“كيف يكون الشاعر لقاء جميع الانهار 

ومجنونا، خرافيا، يهاجر في غابة ضوء من دمعته” 

كما يقول مظفر الشعر والحزن مظفر النواب 

وكيف تكون “البلاد جميلة وخفيفة”

كما يشتهيها محمود درويش 

 يا يوهان هل كنت تدري وانت ترسم تمبكتو من شرفة منزل المسافر(١١)

ان المسافر الغريب قد خسر الرهان 

يا يوهان أطلق مخيلتك 

وارسم ما تشاء 

وتخيل ما تشاء 

تمبكتو مليكة من حجر وطين احمر 

اصفر واخضر واحمر 

لحنا غجريا هائما 

يبكي

على سفر 

ذهب ضفائرها 

على ضفاف النهر 

يا يوهان تعالي 

  ساعة الغروب 

هنا أجمل وقت للإلهام والاحلام والتخيل والشعر والشدو

 والرسم،

 كل الالوان تولد الآن وتتماهي 

فارسم بريشة الفن القطعان والنهر والصحراء 

وارسم بريشة الفن النوارس والزوارق 

وارسم بريشة الفن التلال والرمال 

وارسم بريشة الفن الشمس والظلال 

وارسم بريشة الفن السماء البعيدة 

وتعالي

لنمضي نحو النهر 

“فالقلب اضناه عشق الجمال”

والقلب اضناه “نيل الإبتهاج”

والقلب الآن في حزن يشدو وينشد في همس 

رفيف الحمام البري وشمس الصحراء

تعالي

نتتبع آثار أهل النهر

وحكايا عروس النهر

وحسناوات تمبكتو المليحات وهن 

 في ملاحتهن يغنين “قل للمليحة”

يا يوهان 

هاهنا على ضفة النهر 

كان هاينريش بارث 

في المساء يجلس يرقب الغروب الجميل 

ويفكر في تمبكتو العجيبة 

ويضحك من رينيه كاي 

وسخرية الأقدار التي رمته بين السونغاي والعرب والطوارق 

كان بارث يختلي بنفسه هنا ويفكرفي أمه كثيرا، يفكر في الموت، ثم يبكي ويكتب رسائله لأهله ويعود للشيخ سيدي أحمد البكاي(11) حاملا صنارته المليئة بالأسماك.

هاهنا كان يجتمع الغرباء 

يستمعون لحكايا أهل الذهب 

ويستمتعون بمعروضات التجار الهولنديين

هنا كان العبيد يساقون في زمن النخاسة 

ويرسلون إلى فاس ومكناس 

هاهنا كان يمر موكب السلطان 

عائدا من الحج، في موكب مهيب يحيط به الجنود 

والجواري والعبيد. والنساء يزغردن والبارود يلعلع 

والجياد ترقص في لجمها 

وهنا كان السونغاي يتباهون بقناطير الذهب 

وهاهنا تجمهر التمبكتيون في عام النكبة 

وجاؤوا احمد بابا عشاء يبكون 

وفي صبيحة ذلك اليوم ساق السعديون احمد بابا 

مصفدا إلى مراكش، ووقف الثوار في صفه، حتي انكشفت الغمة 

ونصر الله أحمد بابا 

ودالت دولة السعديين 

 يا يوهان 

 بني هذا البنيان العجيب!

شاعر من الاندلس، جلبه السلطان 

اسمه ابو اسحاق الساحلي ويعرف بالطويجن 

يا يوهان 

وضريحه هناك جنوب الساحل 

علي تلك الربوة 

يقولون يا يوهان انه لم يتزوج 

وانه عاش لفنه طيلة حياته وكان مولعا بالهندسة والبنيان 

وكان ينظم الشعر وكان بارعا في منادمة الملوك والتاريخ والسرود 

يا يوهان 

هذا باب تجار غدامس ومراكش وفاس ومكناس والقيروان 

وهذا باب الزوار 

وهذا باب الشعراء 

وهذا باب الأمراء 

وهذا باب السوق 

وهذا باب الذهب 

يا يوهان 

أطلق مخيلتك.

تمبكتو

مليكة من حجر وطين احمر 

ذهب ضفائرها على ضفاف النهر 

تمبكتو

مخطوطة السماء 

أطلق مخيلتك 

وارسم ما تشاء 

تمبكتو مليكة من حجر

وطين أحمر، اصفر واخضر واحمر

لحنا غجريا هائما يبكي علي سفر 

ذهب ضفائرها 

علي ضفاف النهر 


(١) يوهان: هو يوهان مارتن بيرناتس (1802- 1878) فنان مناظر طبيعية ولد في شباير وتعلم في فينا،النمسا،عاش معظم حياته في ميونيخ،سافر بصحبة مستكشفين  في رحلات إلى مصر وفلسطين وأثيوبيا 

(٢) هاينريش بارث (1821-1865) باحث ومستكشف ألماني، يعتبر من أعظم المستكشفين الأوربين لأفريقيا، دون رحلاته في كتابه «رحلات واكتشافات في شمال ووسط افريقيا» 

(٣) أبو اسحاق الساحلي، ويعرف بالطويجن، دبلوماسي، شاعر ومهندس معماري اندلسي، صمم مسجد جنكير آبير، في عهد منسا موسي في تمبكتو

(٤) الفارس الأبيض؛ تقول الاسطورة التمبكتية انه يحرس تمبكتو ويوقظ اهلها لأداء صلاة الفجر. وتزعم الاسطورة حسب بعض الروايات ان هذا الفارس اسمه الفاروق اسم امير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانه يستمد روحه منه. او هو هو نفسه، وله تمثال في تمبكتو

(5) رينه كاي (1799-1838) مستكشف فرنسي، قام برحلة إلى تمبكتو، وحصل على جائزة الجمعية الجغرافية، نشرت رحلته الي تمبكتو 1830

(6) فرس تمبكتو او جواد الفارس الابيض هي المذكورة سابقا

(7)  التمبكتي؛ هو احمد بابا التمبكتي 

(8) أحمد بابا التمبكتي (1556-1627) فقيه مالكي ومؤرخ وعالم جليل من اعلام الصحراء، اشتهر في المغرب الأقصى وتتلمذ عليه الكثير من العلماء، نفي إلى مراكش وعاد إلى تمبكتو

وتوفي بها، له مصنفات منها: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، معراج الصعود إلي نيل حكم مجلب السود 

(9) مانجو بارك؛ مستكشف أسكتلندي، طبيب وجراح وعالم طبيعة ولد عام 1771، اشتهر بالقوة والشجاعة والإقدام، تعرض مع رفاقه لإطلاق نار عند شلالات بوسا، فقفز مع بعض رفاقه في النهر وغرق ومات وغرقت معه مذكراته. يعتبر اول اوربي زار مناطق نهر النيجر 

(10) المقصود اللوحة التي رسمها يوهان والمشهورة ب تمبكتو من شرفة منزل المسافر وهي اللوحة التي ضمنها الرحالة هاينريش بارث الذي اقام في تمبكتو في كتابه: رحلات واكتشافات في شمال ووسط افريقيا، الصادر عام 1857

(11) الشيخ سيدي أحمد البكاي الكنتي؛ فقيه صوفي مشهور ولد في الثلث الاول من القرن الهجري التاسع في واد نون، وتوفي حوالي 920هـ وقيل 934هـ، نزل عنده الرحالة هاينريش بارث يوم 20 / ابريل/ 1828م، فأكرم وفادته، ولما علم امير ماسنة بنزوله عند الشيخ كتب رسالة يطلب فيها من الشيخ ان يرسل له بارث مصفدا في الاغلال باعتباره نصرانيا كافرا دخل في ارض مسلمة فرفض الشيخ وأبي ان يرسل بارث، وكتب رسالة طويلة يدافع فيها عن رايه. كانت للشيخ سيدي محمد البكاي مكانة كبيرة في تمبكتو، له مراسلات مع الملكة البريطانية اليزابت الاولي وعلاقات دبلوماسية ومراسلات مع سلطان المغرب آنذاك عبد الرحمن بن هشام العلوي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.