خَلْع مبكر

خَلْع مبكر

اللوحة: الفنان المصري محمود سعيد

دعاء صابر

استوقفه بالشارع وهو يجر أخاه الصغير في يده: 

– بابا في البيت يا حبيبي؟ 

– أيوه نايم في الشقة.

تجاوزه الولد وأوقف أخاه الصغير بجانب الرصيف ووقف ليرتدي بنطاله، ضرب صلاح كفا بكف ثم استكمل طريقه حتى بداية الشارع فرأى شاحنة تغرق في المجاري، لكن تبين أنها تحاول إزاحتها من الشارع، حاول تجاوز المياه بأقل خسائر ممكنة بعدما شمر بنطاله، لم يكد يحمد الله أنه وصل بسلام حتى رأى رجلا يتبول في تلك المياه! وقف صلاح ينظر له شذرا لكن أحدا نادى الرجل فالتفت إليه؛ فإذا ببعض البول يتناثر على بنطال صلاح؛ فراح يقفز في مكانه! وقف بباب البناية يسب الرجل ولا يعلم ما يفعل، ورائحة البول تتصاعد من بنطاله، في النهاية صعد إلى الشقة، ودق الجرس عدة مرات حتى فتح له صديقه مرتديا البياض.

– انت نايم بالفانلة والكلوت يا سعيد!

– أومال أنام بقميص وكراڤتة؟

– مش القصد، كنت نام ببچامة يا أخي! 

– وأنزل بإيه؟  

تجاوزه صلاح إلى داخل الشقة ثم توقف:

– معلش لو مافيهاش رزالة، فيه واحد حمار بلّ بنطلوني تحت قبل ما أطلع، ممكن توريني طريق الحمام فين أحاول أنضف البنطلون؟ 

– ولا يهمك يا عم ده بيت أخوك، اقلع انت البنطلون ده وأنا دلوقتي هخليهولك عشرة على عشرة.

– ما يصحش يا سعيد قولي انت بس فين ال..

– لا يا عم يصح ونص كمان، اقلع. 

بعد العديد من المحايلات استسلم صلاح وخلع بنطاله، فوقف سعيد يغسله في الحوض وبجانبه صلاح. 

– أنا قابلت الواد ابنك تحت قبل ما أدخل الشارع، الواد كان بيلبس البنطلون في الشارع يا سعيد! 

قال سعيد وهو يفتح كيس المنظف بأسنانه:

– عيّل مُهزأ.

– هي مشكلة المجاري اللي في الشارع دي عندكم من إمتى؟ 

– يا عم قول مش عندنا من إمتى، الحي ما دخلهوش صرف، ولغايت دلوقتي بيجيبوا عربيات الكسح علشان تلم اللي في الخزانات، تقوم عربيات الكسح تتأخر فالخزانات تتملى لغايت ما تفيض وتسرب وتبهدل الشارع زي مانت شامم!

– مانا شامم.. جربتوا تشتكوا؟ 

– آه.. اشتكينا!

– أيوه وبعد ما اشتكيتوا؟

– طلبوا مننا طلب غريب قوي، قالولنا خفضوا الاستهلاك لغايت ما تيجي عربيات الكسح، وبكده المجاري ماتملاش الشارع!

– يعني عايزينكم انتو اللي تخفضوا الاستهلاك! طب ليه عربيات الكسح ماتجيش في ميعادها؟ وليه مافيش صرف أصلا! 

– بيني وبينك المشكلة مش في الاستهلاك، المشكلة في الإنتاج.. ههههه! وناوله البنطال، فلبسه!

– انت هتلبسه دلوقتي؟ 

– آه، هينشف في السكة ماتقلقش، يلا بينا أنا هستناك تحت علشان مانتأخرش.

نزل صلاح وحاول تخطي المجاري بأقل خسائر ممكنة مرة أخرى لكن سرعان ما بلله رذاذ المجاري بعد مرور «توكتوك» متهور.. وقف مغتاظا ينتظر سعيد حتى رآه قادما من البناية مرتديا القميص وال «كلوت» ويحمل بنطاله على كتفه، ما إن عبر الشارع ووصل عند صلاح حتى راح يلبس البنطال بجانب الرصيف! نظر له صلاح غير مصدق، ما إن انتهى سعيد من لبس البنطال حتى رفع عينيه إلى صلاح وقال بحنكة:

– يعني كنت فاكر هتعدي ازاي من غير ما تتبل؟

– أنا الي كنت فاكره إن العجل في بطن أمه بس هو اللي مابيتبلش.. ههههه!

بعد إتمام المشوار عاد صلاح لمنزله، وانبهاره بحنكة سعيد لم يفارقه، في الأسبوع التالي فوجئ صلاح بمياه الصرف تملأ الشارع الذي يسكنه نتيجة خلل ما في نظام الصرف، عندها لمعت عيناه وتذكر حنكة سعيد، في الصباح نزل إلى الشارع، وخلع بنطاله وسط نظرات الناس، ثم عبر الطريق، ووقف يرتدي البنطال! اعتدل في وقفته، ونظر للناس المصعوقين بثقة تليق بشخص محنك مثله، وإذا ببصره يقع على قطع خرسانية مرتفعة وضعها الناس في الشارع للعبور الآمن بعيدا عن مياه المجاري، وبعيدا جدا عن مرحلة خلع البناطيل!

رأي واحد على “خَلْع مبكر

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.