أوضة المونة

أوضة المونة

اللوحة: الفنان السوري إسماعيل أبو ترابة

نهلاء توفيق

بيت جدّي كبير، تتوسط حوشه «البُقچة» المربعة والتي تتوسطها نخلة عالية مثمرة. في عطلتنا نكون هناك وكل الأحفاد. فيه الكثير من الغُرف وصالون كبير يسعنا في قيلولتنا فلا نحتاج للسطو على غرفة الضيوف التي تبقى نظيفة على الدوام. 

كلّ الأُوَض لا تهمنّا أنا وإلهام ابنة خالي، إلا أوضة المونة، ففيها كمٌّ لا ينتهي من الذكريات وقت الظهيرة، هم يجعلونها في زاوية لا تشرق عليها الشمس ولا تغيب، هكذا هم مهندسو زمان المحنكون.

عند قيلولتهم نسحب أنفسنا إليها بعدما مثّلْنا عليهم النوم فاطمأنوا. هناك نكون قد سرقنا بعض الخرق من «بقجة» جدتي والتي تحتفظ بها لخياطة المدّات، فنخيط أثواباً لعروستنا، وعصراً نجمعهم لنلعب الاستغماية، فكانت أوضة المونة لها النصيب الأكبر من الأماكن الصعبة الاكتشاف، كانت باردة ودائما رطبة، فلا نحس معها بحرارة قيظ تموز وآب، كانت تحوي خانات ودواليب كثيرة، فتريحنا وتحتضننا.

فاجأونا في صيفٍ كان، بأنهم سيهدمون البيت، فهم قد تقاسموه بعدما باعوه؛ فأحزنونا.. نمنا في بيت خالي العصري، يحوي سخاناً وتنورَ حديدٍ، ولا يوجد فيه سطح، فالسطح باعوه وسكنوه.

فقدت رائحة الحطب فجراً وهي التي كانت تفيقني وأنا نائمة في السطح، وفقدت أوضة المونة والبقجة والنخلة ودالية العنب، وكأنني فقدت كل أصول الحياة.

– أين أوضة المونة إلهام؟

– هنا لا توجد أوضة مونة ابنة عمتي، هنا مخزن صغير يحوي معلبات، وفي زاوية يرقد البراد الذي حلّ محلّ الحِبّ والمزملة. 

– وأين هي عروستنا؟ وبقجة جدتنا؟ 

– تعالي نفطر. 

الكل يهنئون زوجة خالي بالتنور الجديد، لا حطب ولا وسخ بعد اليوم، زوجة خالي ترد عليهم فرحةً، نعم زوجة خالي، لا وسخ، ولا حطب، إذن فأين سيذهبون بالحطب أصلاً؟ وهل سيكون هناك حطب في الديرة؟ تضحك زوجة خالي.. ياليتني أُحسن التفكير مثلها، ليتني.

نمتُ أحضن إلهام تحت هواء المبردة وصوتها الكئيب الذي حلّ محل صوت فحيح سعف النخلة الجبارة، فأصبحتُ أئنُ من وجع عظامي، لا أدري كيف أذعن لهم جبروتها فقطعوها!

– إنها هادمات البيوت بنت عمتي. 

***

لم أعد أحب دخول البيت، وصرتُ أطلب من أهلي الرجوع إلى مدينتنا وبيتنا، فبيت جدي قد راح وانتهى! في الطريق غفوت في حضن أمي، ولكن الكابوس خنقني، ومازال، الكابوس يتكرر..

– إلهام، هل تسمعينها؟ إنها تستغيث… 

– تعالي بنت عمتي لنبتعد، فلن تستغيث بعد أن نختفي عنها. 

– وأين عروستنا؟

– نامت خلف بابها بعد أن ألبستها كل ملابسها.


أوضة المونة: غرفة خزن الطعام.

أوض: جمع أوضة. 

بقچة: حديقة صغيرة جداً، وأيضاً قطعة قماش مربعة تحوي ملابس وأقمشة.

الاستغماية: لعبة الغميضة.

الحِبّ: وعاء فخاري كبير لماء الشرب، والمْزَّمَلة حجمها أصغر.

رأي واحد على “أوضة المونة

  1. حتى في الأحلام .. يرفض العقل الباطن إلا أن يعيد الذكريات القديمة والأماكن الأولى قبل تغييرها او هدمها. جميلة.

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.