إنها حالة جدا

إنها حالة جدا

اللوحة: الفنان النرويجي هاكون سوريد

سليم الشيخلي

ارتبك وهو يدخل شقته وهم بالخروج لكن صورة جده على الحائط جعلته يتأنى قليلاً. الأثاث غير ما تعود عليه، الصالة بدلت شكلها، زمانها. شيء من الغلط يدور حوله فاستدار بغية الخروج ليتأكد أو يبدأ صفراً يعيد ترتيب مأزقه لكن صوتاً رقيقاً أتى وصله من الداخل وخلفه فتاة جميلة جداً.

  • جئت إذا يا حبيبي.

نظر إليها ملياً، وجه لم ير مثله، أنثى مكتملة بكل المقاييس.

  • مثل كل يوم تأخذك الدهشة وتفتح عينيك وفمك.

دنت، قبلته رغم دهشته، سحبته برقة من أنامله إلى أريكة حديثة جدا وغادرت لتعود حاملة قدحاً من عصير البرتقال تقرقع بداخله قطعتا ثلج ووضعته أمامه.

حلم أم كابوس! أيكون انتقل عالما اّخر بطريقة سرية وسريعة جداً! قرص نفسه، شرب من عصير البرتقال لكن إحساس الغربة ظل بنطالا ضيقاً لا يملك غيره.

أخرجه رنين الهاتف من كينونته المعقدة، مندوب إحدى الشركات يعرض أحدث كمبيوتر يربط بأجهزة المنزل لتوفير فاتورة الكهرباء. اعتذر بإغلاق السماعة، جر قدميه نحو النافذة. شارع لم يشاهده من قبل، لافتات بلغة مبهمة إلا واحدة استطاع أن يقرأ منها “مذبوح على الطريقة الإسلامية”، استدار مسلوباً، نظراته تشرب المكان وحركة الأنثى الجميلة جداً تدعوه للعشاء.

  • حميد نحن في السويد. لماذا تحمل سجنك أينما حللت.

جلس إلى المائدة، الدمعة التي طفرت من عينيه جعلتها تقوم من مقعدها وتأخذ رأسه إلى صدرها لتبكي معه بحرقة.

أنها حالة جداً – 2

خطوة واحدة وأسدل الستار على مخاوفي، وأطفأ ما تبقى من حرائق، من حرائق بنت أعشاشها كياني فاستعبدتني، سأمسح ما مر بحب للأيام القادمة بعيداً عن السوط والوطن، الشوك والنحلة، حوض الأسيد ودجلة، أجمع سنوات الذل، أدفنها خاصرة الظلمة تذكاراً لزمن القهر. أبدأ حياتي التي تشابكت حد التلاشي فتاهت تحت بصري معه، لا بد أن يقوم ويصنع ناموس مقاومتنا الجديد.

  • رجاء اجمعوا الجوازات، وانزلوا لتأشيرها.

قطع صوت السائق حديثها معها وبدأ سرب متعبين أوله هم بدخول القاعة وآخره قدمها اليمنى تطأ الأرض. جلست على كرسي بائس وبدأت تقرأ دون أن تحرك شفتيها من كتاب “الدعاء المستجاب”. شلالات سوداء تنثال رأسها فأحست بالعرق غزيراً.

اجمعي ما تبقى من جلدك هنا، فقط ختم مغادرة لجوازي سفر، لن يحدث الأسوأ. اخرجت منديلها موزعة بين الإصغاء والدعاء، مسحت وجهها المبلل باستغاثة ما قبل الانفجار. ودت لو تبكي لكنها تذكرت أن لا تظهر الضعف في حضرتهم، أن تبغي بالصمت سبيلاً للمقاومة.

  • فاتن عبد الوهاب.
  • نعم،

هتفت دون وعي ومدت يدها مسرعة لاستلامه وعادت مكانها، قلبت الأوراق وبحلقت في صفحة الختم غير مصدقة. شيء من الأمل يلوح نهاية النفق، نور شمعة صغيرة تضيء فراغ كعكة عيد الميلاد. بدت القاعة تخلوا من المسافرين، خوف تعودت عليه تحمله ثواني الانتظار، فعادت الى الأدعية والإصغاء.

  • حميد ناصر.
  • نعم. وهرولت فمدت يدها دون أن تمسكه.
  • أنت حميد ناصر.
  • زوجته.
  • أين هو؟ يجب أن يتسلمه بنفسه
  • إنه يسير على عكازتين.
  • اجلبي عكازته لأصدقك. قالها مبتسماً، عندك سيكائر؟
  • نعم

لم تصدق أن جوازه سيتحرر مثلما لم تكن مصدقة عودته إليها بعد غيبة خمس سنوات في ضيافة الدولة، ضمته صدرها وتسلقت الحافلة لتطير فراشات شفتيها وتحط وجه حميد.

ملأت رئتيها عطر وطن وحبسته تذكاراً. الماضي يتساقط مدناً رملية لتنهض آمال حيوات جديدة، يتبدل شكل الطريق، الزمان. عمان وكابينة تلفون وأصدقاء، غرفة بسيطة. أمواج النوم تزل شاطئها بهدوء عميق.

الزحام أمام مكتب اللاجئين إدانة لعصر، صوت امرأة وعكازة شق الدرب إلى الموظف المسئول وروت بين يديه كل ما عانوه ثم رسمته على أوراق بخط يدها لتتسلم ايصالا بالمراجعة بعد شهر وتحويل حميد الى مستشفى للعلاج.

شمس عمان لا تصفع الوجه، الصباح نوافذ من هدوء محرك، الشبابيك الحجرية تحتضن أصص الزهور فتغسل النسيم الذي تسلق الجدران. طبيب في العقد الخامس يفحص بشكل دقيق وأجهزة خاصة زرعت على جسده الاسمر المتعب. لم يجد أي مبرر لصمت القدمين.

  • هل مر بأزمة نفسية؟

تنهدت ورامت رأسها البعيد المؤطر بالنافذة وبدأت بحرج تسرد ما حدث له من غير موعد مع قدر وطني ثم انهدت سيلاً. شهرزاد بأسمالها وشهريار ببنطال مثقوب. عندما وصل الحديث إلى أسرار تخصها وقهقهات التتار حولها هب حميد على قدميه وصرخ:

  • كفى أرجوك.

التفت إليه الطبيب بفجأة سلطت الوانها عليه، قفزت فاتن وهي تصرخ:

  • أنت تقف.. أنت تقف.

احتضنته وانفجرا بالبكاء الذي طار سنونوات تجوب الشوارع. أبعدها عنه حين أحس برغبة جسده بالحركة، اتكأ كتفها وسار قليلا كطفل يتعلمه الآن، استند الجدار، وبدأ بصرخة غسلت ذاكرته وأطفأت براكين مستعرة.

التفتت فاتن إلى الطبيب الذي أشار عليها بالصمت. الزمن الهلامي يفترش أرضية الغرفة، يتسلق الجدران، يرسم حتميته، السقف والوجوه شاخصة، انتفق جسده من جديد فسقط على الأرض، مشروع ابتسامة يلوح من خلف قضبان سجن بدأت تتكسر، مد يديه إلى فخذه يتحسس الحياة داخلها، اتكأ زندها وقام متحركا نحو الباب ثم عاد ببطء يحتضن الطبيب

  • لن يستعين بهما بعد الآن.
  • أعتقد ذلك فرغبته بالحياة عميقة.

تركت العكازين وخرجا تتلقفهما المدينة مبتسمة، شهراً وآخر كي يحصلا لجوء إنساني إلى السويد، تاركين عكازين ومحاولة لإخراج زمناً سيئاً من الذاكرة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.