اللوحة: الفنان السوري محمد غنوم
د. عوض الغباري

ابُتلى بعض الأدباء، قديما وحديثا، بالفقر والنحس والبؤس وشقاء الحياة.
ومن هؤلاء الأدباء الشاعر البائس “عبد الحميد الديب” (1898-1943)، وقد ألَّف الدكتور عبد الرحمن عثمان كتابا عن هذا الشاعر صدَّره بقوله:
حظَّي هو الأيكة الخرساء ذابلة
هو النسيم سَموما غِيرَ خفاق
هو السحاب جَهاما والنَّدى أسِنَّا
هو الضياء به موتى وإحراقي
كأنَّه أذرعٌ شلاَّء راحتها
أو أنَّه أعينٌ من غير أحداق
وهى أبيات معبرة عن بؤس الشاعر ويأسه، وقد خذله الكون، وتخلت عنه الحياة.
صُدِم عبد الحميد الديب بوفاة والديه، وأصابه الحزن، ولم يُرد أن يكون شيخا فى الأزهر كما تمنى والده، وكذلك لم يكمل دراسته فى كلية “دار العلوم” لتململه وشعوره باليأس وتكاسله وإحجامه عن العمل.
و”الديب” كانت له ظروفه القاسية، وقد أدَّت به إلى هذه الحالة السيئة التى جعلته مشردا صعلوكا هائما على وجهه جائعا محروما من الحياة الكريمة رغم موهبته الشعرية.
نعِم بصداقة فنان الشعب “سيد درويش” لكن فُجع بموته دون أن يكمل مشروعه فى كتابة الأغانى له.
وقد تمرد على ظروفه، وهجا الحياة والأحياء، وتردى حاله إلى الأسوأ بعد إدمانه للمخدرات، وإيداعه مستشفى الأمراض العقلية، إلى جانب دخوله السجن.
وهذه حالة مأساوية بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية التى تبدت فى شعره، وكان بليغا قوى الدلالة على واقعه الأليم.
ولا يخلو الأمر – مع ذلك الشاعر البائس- من طرائف ونوادر فكاهية من باب “شر البلية ما يضحك”. وشعر “الديب”، كما وصفه “عبد الرحمن عثمان”، وقد عرف الشاعر عن قرب، صورة لحياته وفنه، يرتكز “على الصدق فى ترجمة المشاعر”، ويبرز “الروح المصرية السارية فى الطبقة المكدودة من شعبنا”([1]).
ويتجسد شقاؤه فى المفارقة بين عزته وذله فى قوله:
عظيم ولكن الحوادث أعظم
وشهم ولكنى على الذل مُرغم
ويشكو الشاعر من استهانة الناس به مع شاعريته، فيقول:
إذا رُمت عيشي من جهودي وهمتي
تنكرٌّ لي منهم كفور ومسلم
ويأكل عرضي منهمُ كل حاسد
له همة أخرى وحظٌ مقدَّم
وهو الشاعر يسعد الناس ويشقى بهم، يقول:
ألست شبيه الطير يشدو مغردا
لإسعاد أقوام ويُذبح منهمُ([2])
وينسرب هذا الأسى والحزن من مأساة حياته، ومفارقاتها الأليمة فى شعره.
يقول الشاعر “عبد الحميد الديب”، فى رثاء لنفسه وهو فى شبابه، ينعى حظه العاثر:
وداعا شبابي فى ربيع شبابي
وأهلا حسابي قبل يوم حسابي
طلعتُ على الدنيا فلا النور فى الدجى
ولا الروضة الفيحاء وسط يباب
ولو أنَّ وهًّاب الحظوظ أراد لي
سلامة إحداها لخفَّف ما بي([3])
ويضج “الديب” بالشكوى من سوء حاله، وهوانه على الناس، فيقول:
سمت بي غداة العمر نفس رضية
فأوسعها دهرى من الهم والبؤس
معاذ قصيدي أن أعيش مشردا
وأحرم جني الرزق من شرف الغرس
تحديت أيامي وقومي بوحشتي
وكم وردوا مني مناهل للأنس
لقد جهلوا يومي ولن يكرموا غدي
ويا حَرَّ قلبي من شقائي فى أمسي([4])
كان الشاعر #عبد_الحميد_الديب طموحا خذلته مأساته، فقد رأى نفسه منحوسا وقع فى براثن الفقر حتى رضى بالسجن الذى أغاثه – على الأقل- بالمأوى والطعام والشراب، وأغناه عن سؤال الناس – د. #عوض_الغباري
لقد ضاع زمانه ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وعبَّر عن حزن مُمض وألم دفين من حرمانه ووحدته وشقائه.
وهو فى هذه الحالة البائسة يستدعى قافية البحترى وحزنه فى قصيدته:
صنت نفسى عما يُدنِّس نفسى
كذلك يستدعي ابن زيدون فى قصيدته:
أضحى التنائى بديلا عن تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
فيقول آسيا باكيا:
لم يُخلق الحزن إلا فى جوانحنا
ولا المدامع إلا فى مآقينا([5])
كان “الديب” طموحا خذلته مأساته، فقد رأى نفسه منحوسا وقع فى براثن الفقر وإدمان المخدرات حتى رضى بالسجن الذى أغاثه – على الأقل- بالمأوى والطعام والشراب، وأغناه عن سؤال الناس.
كما وقع “الديب” فى محنة قاسية تمثلت فى المفارقة بين اعتداده بكرامته وتسوله لقوت يومه، يقول:
يا ذلة العيش بين البؤس والشرف
عيش هو الموت فى الحرمان والتلف([6])
كان شاعرا موهوبا صهرت قسوة الحياة مشاعره وأحاسيسه متمثلة فى قصيدة دالة على ذلك يقول منها:
بوادٍ كدار الخلد بَرِّ المنازل
شقيت فمالي لا أفوز بطائل
أُقَضِّي به في ليله ونهاره
معيشة أفاق ووحدة ثاكل
وعلى هذا المنوال تمضى القصيدة مرثية لأحواله، وقد عانى من الوحشة والضياع والإحساس بالظلم الاجتماعى، وهوة الفرق بين بذخ الغنى وحرمان الفقير.
لم تنفعه شاعريته فى الحصول على أدنى متطلبات الحياة الكريمة، أو تقدير الناس واحترامهم، يقول:
يقولون لي كيف الشقاء مع الحِجا
وفى شعرك الهامي عِذاب المناهل
فقلت بهذا الشعر بؤسي وشقوتي
كما قتل الصدَّاحَ زهر الخمائل([7])
لقد نقم “الديب” على شقائه رغم نجابته مذكرا بقول المتنبى:
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله
وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم
في إشارة إلى اختلال الموازين لا تخلو من مرارة وسخرية، واتضح ذلك في شعره بمستشفى المجانين، وقد رآهم أعقل من جنون الحياة، يقول:
رعاكِ الله “مارستان” مصر
فإنك دار عقل لا جنون([8])
وهو القائل، أيضا:
يقولون موهوب على عبقرية
فهل عبقري مَن يعيش بجوع
ويحاول – مع ذلك- أن يتذرع بالصبر، قائلا:
مِحَنٌ لها عزم الجرئ وصبره
والصبر أعظم ما يفرِّج ضيقي[9])
و”الديب” يستثير قارئ شعره، ويستجلب عطفه في قوله عن نفسه:
ضاقت به الدنيا فكن رحبا به
قد ذلَّ من غدر الزمان ورَيبه
لا تنكروا الشكوى على متبرم
قلِق الحياة كَمَن يُشاك بثوبه
أنا لا أرى لى فى شبابى لذة
لهفى على مَرَح الشباب وعُجبه
من كان توأمُه الشقاء وصنوه
فشبابه حرب عليه كشيبه([10])
وانظر إلى تلك النغمة الحزينة الشاجية الباكية تصيب سويداء القلب حسرة وألما. لقد حاول “الديب” أن يجد عملا فحالت “سابقته” فى السجن دون ذلك.
وأسعد مَن حوله بشعره وقصصه ونوادره وتعِس بشقائه وجوعه، يقول:
لو أستطيع البكا يا أيها الطَّللُ
بكيت حتى شكت من دمعىَ المقَل
وأجلس الليل فى صحبى أسامرهم
وكلهم بمجالى رقتى حفلوا
حتى إذا سلموا للعَود وانصرفوا
سريت جوعان يفرى عزمى الكلل([11])
وعلى طريقة المتنبى فى قوله:
عيد بأية حالٍ عدت يا عيد
يشعر “الديب” بالحزن الشديد مع فرحة الناس بالعيد، لحرمانه وتشرده وجوعه ووحدته، يقول:
تزاور الناس يوم العيد ليس بهم
أخٌ على الدهر يدعوني وأدعوه([12])
كما يقول:
عيد تطالعنى والعيش منكود
لأنت يوم الأسى والحزن يا عيد
يجِّدد الناس من لبس ومن فرح
وعندنا للأسى والهمِّ تجديد([13])
و”الديب” شاعر ساخر فى مرارة لتشرده، وافتقاده لمكان لائق يعيش فيه، يقول عن حجرته البائسة:
ترانى بها كل الأثاث فمعطفى
فراش لنومى أو وقاء من البرد
أما وِساداتى بها فجرائدٌ
تجدد إذ تبلى على حجر صلد
تحمَّلت فيها صبر “أيوب” فى الضَّنا
وذقت هزال الجوع أكثر من “غاندى”([14])
وقد ساءت ظنون “الديب” فى الناس لتكالب الهموم عليه، فنجده يقول:
وقد ساء ظنى فى العباد جميعهم
فأى امرئ ألقى أراه خصيما([15])
حتى أنه ليضرع إلى الله أن يتوفاه:
ويا رب ما يومى وأين منيتى
أمالى حتى فى المنية موعد([16])
ولاحق الفقر المدقع “الديب” بعد زواجه الذى لم يستمر بسبب ذلك، وكتب قصيدة بعنوان: “فى مأتم عرسى” تعبر عن حزنه وألمه لفشل زواجه، يقول منها:
وقد مر بى عصر الشباب كأنما
طلعت على الدنيا مشيبا محطما
أقام لى الأصحاب عرسا فمذ رأوا
به محنتى تشدو أقاموه مأتما([17])
ويفزع الشاعر المسكين آخر كل شهر من دفع إيجار الغرفة الذى لا يملكه، ويصور الفقير المترفع عن ذل السؤال بقوله:
فيقضى طوى دون أن يجتدى
ولا يذكر الجوع حتى الممات([18])
ويصدح الشاعر “الديب” بقصيدة عصماء يبث فيها حزنه إلى الله قائلا:
كل شئ أشهد الله عليَّا
فَرَّت الدنيا جميعا من يَديَّا
لا تقل لى كيف تحيا سادرا
أنا ميت بين قومى لست حيًّا
ويعتذر “الديب” في هذه القصيدة عن خطاياه راجيا عفو الله، فيقول:
قلت ربى وأنا جاثٍ له
فحبانى لطفه قلبا رضيًّا([19])
ويرى “عبد الرحمن عثمان” أن “الديب هو” المجدِّد، وصاحب اللواء في الشكوى وتجسيم الأحزان”([20]).
ونتفق مع مؤلف هذا الكتاب عن “الديب” أنه فنان ملهم صنعته المحنة، وكانت وراء روائعه الشعرية([21]).
وكان وراء نبوغ “الديب” شاعرا حصيلة معرفية ولغوية استقاها من دراسته بالأزهر ودار العلوم، واستلهام بديع وتأثر جميل بأسلوب القرآن الكريم الذى حفظه منذ طفولته، وثقافته العربية الأصيلة في اطلاعه على عيون الأدب العربى، وحسه الفنى في تذوقه للموسيقى والغناء.
وينبع الصدق الفنى والواقعى من الحياة البائسة للديب، وقلقه المستمر جراء ظروفه الصعبة.
ويتسم شعره بالأصالة فى حدود ثقافته المحدودة التى لم تعقه عن النبوغ والابتكار مع بساطة شعره، وتعبيره الصادق عن نفسه، حيث يقول:
أذلَّه الدهر لا مال ولا سكن
فتى تزيد على أنفاسه المِحَن
فطاقاته الشعورية الكبيرة عوَّضته عن قصوره فى امتلاك الثقافات المتعددة التى حالت دونها ظروفه القاسية التى استنفدت طاقته.
ولقد كانت الفترة التى عاصرها “الديب” فى أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين صعبة فى حياة الطبقات الفقيرة التى واجهت ضروبا من الشقاء والذل والهوان والفقر والحرمان كان “الديب” عنوانا لها.

الشاعر عبد الحميد الديب
الهوامش:
([1]) عبد الرحمن عثمان، الشاعر عبدالحميد الديب، حياته وفنه، دار المعارف، مصر، 1968، ص13، والكتاب مطبوع بعناوين أخرى مثل الشاعر البائس عبد الحميد الديب.
([2]) عبد الرحمن عثمان، الشاعر عبد الحميد الديب، الكتاب السابق، ص 297، 298.