اللوحة: الفنان النمساوي غوستاف كليمنت
سليم الشيخلي

- كيف ابتعد عن ناظريك؟
- سهوت.
- أم الكرة؟
ابتسم وهو يمر أمامها لصنبور الماء المعلق فوق حوض اسمنتي ليغسل عرقه والجدة تتمتم وحدها.
- لا تخافي عليه.. لن يتيه.
الأيام التي تلسعها بخوف من شيء ما، منه.. عليه، تروح وتأتي لتمص نظارتها وتفضفض شعرها، وعلى وجهه ترسم تذاكر سفر. تعرفه عنيداً كالثور المجنح نصفه داخل المبنى والآخر يشم هواء المدينة.
- سعد اخرج وابحث عنه وخذ البطاقة التموينية فعسى أن تحصل على الطحين.
- سأخرج وإن لم أجده سأعلن عن عاشق خرج ولم يعد، ألم تضايقيه؟
- من يقدر والعصا بيده!
عند عودته خرجت مسرعة من المطبخ وعلى وجهها استغاثة تختزنها بصمت أولياء فجاءها رده:
- رآه كاظم بائع الكبة يتمشى.
هنا بدأ الخوف يثير هواجسها، الزحمة، فقدانه الذاكرة، صحته المتدحرجة، فلم تثبت بمكان أو ترسو على فكرة. في الثالثة والنصف دفع الباب بعصاه ووقف في باحة الدار كالديك الرومي
- أين أنتم!
كانت كافيه أن تعب هواء يطرد هواجسها فجاءته مسرعة، ودت لو تحضنه لكنها انتصبت أمامه:
- ما الأمر أبا شاكر! تغيب خمس ساعات دون أن تتذكر قلقنا. ألم تجع؟
- تغديت مع حسين بن عمر العلوجي.
- ومن هذا؟
- ابن حجي عمر صاحب علوة الحنطة في سوق الصدرية.
- أنسيت أنه اغتيل عام ثلاثة وستين؟
- ماذا؟ اليوم رأيته وتغدينا سوياً. قوموا للأكل وسأقص عليكم.
هدأت الحركة بين المطبخ والمائدة لتبدأ طرطقة الملاعق. جلس في مكانه المعتاد تفحص الوجوه ليتأكد أن الجميع حوله.
- تسل معنا وأنت تتحدث
- ولم لا. رأيت نفسي قرب موقف الحافلة، ولم يمنعني الزحام من حشر نفسي بين الركاب. زحام ذكرني بيوم الرابع عشر من تموز. عندما وصلت باب المعظم وتنشقت عبيرها عبرت الشارع بعناد ودخلت مقهى الآداب فوجدته يقرأ الجريدة.
- تذكر جيداً كيف قتل غيلة وبيديك دفنته.
- مجنونة… بيدي حضنته.
بدت شهيته للأكل تمتد وهو يتحدث بصدق طفولي، ملأ صحنه من جديد وعاد يقول:
- تبين أنه يعمل بالبصرة وأموره جيدة، تمشينا كأيام زمان لسوق الهرج والسراي وتغدينا في مطعم هناك. سألته:
- لم أر الزعيم على شاشة التلفاز هذه الأيام؟
- مسافر.
- لم تعد تصلني الجريدة؟
- إنهم يحدثون مكائن المطبعة.
- ما أخبار فالح الصباغ؟
- لديه شركة مقاولات في كركوك.
- يعني أمور الناس جيدة؟
- فوق النخل.
- الوطن حر، والشعب سعيد؟
- ألا ترى ذلك؟
وعندما أراد العودة إلى البصرة أوصلته المحطة ولم أتركه حتى تحرك القطار.
- وكيف عدت؟
- تاكسي. الظالم أخذ نصف دينار.
ساهمة تساعد في رفع الصحون، لم تستطع أن توقف دمعة أجبرتها أن تسقط أحد الصحون فمسحتها بكم قميصها.
- إن شاءالله خير. قال سعد وهمس في أذن جدته:
- أحقاً ما يقول جدي؟
- أحس انها سكرة الموت الواقف. لتسقط من يديها بقية الصحون.
في المساء علقت عكازته الحائط وجلست قرب جسده المسجى تجمع كل كبريائها قائلة:
– أما كان يجب أن تحجز تذكرة معك لنرحل سوياً.