محمود دياب.. المبدع المتمرد على صمت البحيرة

محمود دياب.. المبدع المتمرد على صمت البحيرة

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

د. حمدي سليمان

كل أرض لا تمكن الإنسان من الحياة الكريمة هي أرض لا تنبت الزهور, تلك كانت رؤية كاتبنا الكبير محمود دياب ابن مدينة الإسماعيلية, الذي هيمنت فلسفة العدل الاجتماعي على عقله ووجدانه, وجسدتها معظم كتاباته التي حملت معاني إنسانية نبيلة, وانحيازا واضحا لهموم المواطن المصري والعربي البسيط، فقد رصدت لنا أعماله تصورات شاملة عن حال العالم العربي, واستقراء للمستقبل على ضوء التحديات السياسية والتاريخية الجسيمة التي كانت -ومازالت- تواجهها أمم وشعوب محاصرة بالتآمر, ومكبلة بالاستبداد ومستهدفة من الخطط الاستعمارية الجهنمية, وربما ساهمت في تكوين تلك الرؤية روح القوانين التي درسها وعشقها وصار بها مستشارا بقضايا الدولة، خلال سنوات حياته العملية الأولى في الخمسينيات، ثم طوال مرحلته الإبداعية خلال الستينيات والسبعينيات، وحفر بأعماله الفنية والأدبية المختلفة الثائرة طريقا خاصا به, سبب له الكثير من المشاكل وأبعده عن الأضواء, وأدى لتوتر علاقته دوما مع الأنظمة المهيمنة، وأوصله للتصادم والقلق فالرحيل الهادئ عن دنيانا وهو بعد في الحادي والخمسين من عمره. 

إنه محمود دياب المستشار الجليل والسارد البارع للرواية والقصة، والكاتب المسرحي المثير للجدل ببحثه الدؤوب عن الهوية المصرية، وكاتب القصة والسيناريست الممتلك لحرفة الكتابة للدراما السينمائية والتليفزيونية والمعرف بعالم الروائي الروسي الكبير «ديستوفسكى» في السينما والتليفزيون، والمثقف الذي ترك أروقة مجلس الدولة الرفيعة، ليتحرك عملا مع أبناء جهاز الثقافة الجماهيرية الوليد أواخر ستينيات القرن الماضي، وليعيش مغامراته في الأزقة والحواري ونجوع الوطن، ينتقل بين قصر ثقافة في الإسكندرية لإدارة الثقافة العامة ومكتباتها بالقاهرة، وجذبه الواقع في كفور الدلتا وبيوت ناسها الأصلاء للتعرف عن قرب على هموم المواطن البسيط والفلاح الباحث عن الخلاص من ظلمة التاريخ وحرقة الصبر، مما أنعكس بصورة واضحة على مسيرته الإبداعية, فقد كان شاغله الأول في مسيرته الإبداعية هو التعبير عن الروح المصرية، لذا صاغ أعمالا عظيمة تنقلت موضوعاتها بين أجواء المدينة وقضايا طبقتها المتوسطة وأجواء الريف وهموم أهله البسطاء, وقد شغلت تلك الأعمال الجمهور والحركة النقدية كثيرا. فعلى الرغم من أن حياته كانت قصيرة إلا أنه أستطاع أن يغنى مواله الأصيل المليء بالمشاعر الهادئة, وموسيقاه التي تجذب سامعيها إلى عالم آخر، عبر كتابته ومؤلفاته المسرحية والروائية التي رسم فيها شخصياته بمهارة شديدة, فجعل منهم أشخاصًا حقيقيين من لحم ودم, يعيش معهم القارئ في قصتهم المماثلة لواقع الكثيرين، فيناقش فيها قضية هامة تواجه الإنسان المصري، داخل البيئة التي رسمها خصيصًا لهم ونقلها كأنها صورة حية أمامه، فتميَّز وتفرَّد بهذه الكتابة المميزة في المسرح العربي. 

وقد اهتم دياب بالأدب والفكر وقضايا وطنه منذ الصغر، متأثرًا بالأدب الروسي، ومهتمًا بالقصص التاريخية وكيفية إسقاطها على الواقع، مقدمًا بذلك مجموعة من الكتابات التي تحمل أفكارًا قومية خالصة لا يمكن تجاهلها على مر العصور, فكل من قرأ كتابات دياب أو شاهدها ممثله على المسرح أو في السينما والتليفزيون أو سمعها في الإذاعة يعرف أنها تتسم بالوعي القومي, وهو ما جعل تأثيراتها تمتد إلى خارج حدود مصر,  فقد كان يعنى بالأدب والفن العربي بشكل عام, وهو ما جعله يعدُّ أحد أهم رواد المسرح والأدب العربي, والذي ترك بصمة لا يمكن تجاهلها عند رصد تاريخ المسرح والأدب المصري والعربي في القرن العشرين, لما لا وهو المخلص لوطنه الذي كرس حياته كلها من أجل رفعته والحفاظ على كرامته وتقدمه, وهو المؤمن بالعروبة مثل ابن بلدته الناقد الكبير الدكتور علي الراعي التي ازدهرت دعوتها في الخمسينيات والستينيات.

دياب العاشق لمدينة الإسماعيلية

وربما لا يعرف الكثيرون أن دياب ابن مدينة الإسماعيلية, تلك المدينة التي تقع على أهم مجرى ملاحي في العالم, والذي تم حفره بسواعد المصريين الممزوجة بعرقهم ودمائهم الزكية الطاهرة, المدينة التي أراد لها مخططيها أن تكون بقعة مدنية مسالمة, تنام مطمئنة في حضن بحيرة التمساح وتتحصن بسياج أشجارها العالية, لا يربطها بوطنها الأكبر غير مجموعة خطابات أدارية جافة, لا تحمل روح ودفء وعبق الوادي, يتحكم فيها قائد البوليس الحربي البريطاني, ويغتصب خيراتها مجموعة من الأجانب المرتزقة, تلك الصورة التي نقلها لنا دياب في روايته البديعة «أحزان مدينة في الحي العربي» والتي كانت عليها المدينة عندما خرج محمود دياب للحياة, ومن بعده بقليل أخو الفنان التشكيلي إسماعيل دياب, الذي التقينا به وهو أيضا فنان كبير اشتهر برسم الشخصيات التاريخية في عدة سلاسل وموسوعات, وقد برع في هذا المجال, كما قام برسم ألاف القصص والسلاسل الشهيرة للأطفال على مدي أكثر من نصف قرن. 

ومن خلال لقائي مع الفنان إسماعيل دياب في شقته بالقاهرة, للحديث عن أخيه محمود دياب, قال أن هناك شبه كبير في التجربة ومسيرة الحياة الإبداعية بينهما, فقد أنتقل محمود بعد حصوله على شهادة البكالوريا من الإسماعيلية إلى القاهرة للالتحاق بكلية الحقوق, وهو ما فعلته أنا بعد ذلك عندما رحلت إلى القاهرة للالتحاق بكلية الفنون الجميلة, ويضيف إسماعيل انهما تعرفا على الآداب العالمية من خلال الكتب المترجمة التي قدمت للمصرين والعرب الثقافة والأدب الروسي والعالمي في أواخر الخمسينات وبداية الستينيات, وكانت نافذة مهمة ساهمت في تثقيف وتكوين الكثير من المبدعين, وقد تعلق محمود بالأدب الروسي في هذه الفترة وأكتشف الأديب الروسي الفذ ديستوفسكي وأستغرق في متابعة أعماله وقراءته, وكان يمثل له الكثير وربما هذا ما جعله حريص على تقديمه للمشاهد العربي من خلال كتابة معالجات وسيناريوهات للعديد من إبداعاته التي قدمت في السينما والتليفزيون والإذاعة, وعن الإسماعيلية يقول إسماعيل دياب أنهم عاشوا أجمل أيام عمرهم في تلك المدينة الساحرة, حيث ولد محمود بها في 1932, وكان يعشقها ويعشق تركيبتها الاجتماعية المتنوعة, وشوارعها وحدائقها المزدهرة ، وقد كتب عنها روايته البديعة أحزان مدينة «طفل في الحي الغربي» وظل بها حتى انهى تعليمه الثانوي, وهو أيضا ربيب القاهرة المحروسة التي عاش فيها وتعبد في محرابها، منذ أن ألتحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة في بداية الخمسينيات, مرورا بتعينه نائبا بهيئة قضايا الدولة حتى وصل إلى درجة مستشار بالهيئة. 

ولكن يبدو أن علاقته بالأدب والثقافة كانت أقوى, لذا قرر أن يختتم دوره كقاضٍ جليل, وهو الدور الذي حصل بموجبه على وسام القضاء بصفته مستشارا بهيئة قضايا الدولة وشهادة تقدير من الرئيس محمد أنور السادات، ويلبس ثوب الأديب، ليبدأ فصلا جديدا من التفاعل والشراكة بين الفكرة والقلم، لتشهد الحياة الأدبية ميلادا جديدا للقاضي الصاعد, ليتمخض اهتمامه بالأدب والفكر وقضايا وطنه, فكتب الرواية والقصة والمسرحية القصيرة والطويلة وأعد القصص السينمائية, وشارك في كتابة السيناريو والحوار لقصصه وقصص غيره. وقد جاءت المفاجأة مع أول أعماله قصة (المعجزة) التي حصلت على جائزة مؤسسة المسرح والموسيقي، وكانت سببا في لفت نظر بعض النقاد إليه بعد فوزه, ثم مسرحيته الطويلة التالية (البيت القديم) التي فازت بدورها بجائزة مجمع اللغة العربية 1963, وقدمت في القاهرة والأقاليم والسودان والعراق وسوريا, وتتابعت أعماله المسرحية بمسرحية (الزوبعة) عام 1966 وحاز عليها بجائزة منظمة اليونيسكو لأحسن كاتب مسرحي عربي، وترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.