أوراق لم تسقط من الذاكرة.. عمتي أمينة 

أوراق لم تسقط من الذاكرة.. عمتي أمينة 

اللوحة: الفنان الفلسطيني ناجي نصر

هناء غمراوي

كانت الابنة البكر في بيت جدّي، عاصرت سفر برلك وحربين عالميتين.

عرفتها عن قرب حين إقامتها في بيت والدي، أصغر إخوتها الذكور، وكانت قد قاربت الثمانين من عمرها! وحيث انها لم ترزق بولد ذكر يعتني بها آخر أيام العمر شأن العادات السائدة ذلك الوقت، أراد والدي أن يقوم مقام وليدها الذي لم تنجبه رغم زواجها لمرتين. فقد كانت عمتي بمثابة أمٍ له بالفعل. ذلك أنها أرضعته مع ابنتها البكر عدة مرات خلال زياراتها لبيت العائلة حيث كانت جدتي تعيل أسرة كبيرة وكانت كثيرة الأشغال والمسؤوليات.

زيجتها الأولى كانت في بلدة ساحلية على المتوسط تسمى المنية.انتقلت اليها من بلدتها الساحلية البدّاوي، التي لا تبعد عنها سوى بضعة كيلومترات.. وربما كانت تعد مسافة كبيرة ذلك الوقت، حيث لا وجود للسيارات الا فيما ندر. 

فقدت عمتي زوجها الأول، وبعد أسبوع فقط من وفاته لحقت به ابنتها الوحيدة فاطمة، التي كانت تحبو نحو سنوات المراهقة. فقد نشأت فاطمة عليلة الجسم لا تحسن المشي واللعب كباقي الأطفال..

رزقت عمتي بابنتها فاطمة بعد زواجها بست سنوات، وقضت تلك الفتاة عمرها القصير نسبياً عليلة الجسم بسبب مرض عضال ضرب عظامها منذ الصغر ومنعها من الحركة والمشي. فقد كانت تعتمد في تنقلاتها على ذراعيّ وظهر والدها حيث لم يكن من كراسي متنقلة آنذاك تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة. لم يترك والدها طبيبًا في المدينة الا وعرض حالتها عليه وكان الجواب واحداً؛ لا أمل في شفائها.

عادت عمتي الى دار جدي بعد وفاة ابنتها وزوجها حزينة مهيضة الجناح. بعد مغادرتها له لأكثر من عشرين سنة وكانت حينها تخطو نحو سنواتها الأربعين.

بعد سنتين تزوجت للمرة الثانية وانتقلت الى قرية أخرى من رجلٍ اختارها لتكون شريكته في رعاية عددٍ كبيرٍ من الأطفال بعد أن انتزع الموت منهم أمهم فصارت عمتي لهم خير أم.

وأذكر في طفولتي عندما كنا نزورها بعد أن فرغ بيت عائلة زوجها الا من فتاتين في مقتبل العمر وكانتا تناديانها ب(ستي) أي جدتي وكنت أستغرب ذلك منهما ولا أخفي حيرتي. وكطفلة مشاكسة كنت أعترض وأقول؛ هي ليست جدتك، هي زوجة أبيك. عمتي ليس عندها أولاد.! فتبتسم أكبر الفتاتين مصرّةً ان عمتي هي جدتها ولم أفهم الأحجية الا بعد سنوات حين عرفت أن أحد أبناء زوجها قد توفي شاباً وترك طفلتين وقد تكفلت عمتي بتربيتهما بعد زواج أمهما وانتقالها للعيش مع زوجها وعائلتها الجديدة…

وتشاء الظروف أن تترمل عمتي للمرة الثانية وتغادر بيتها الذي قضت فيه أكثر من خمسٍ وثلاثين سنة وتعود الى البداوي مسقط رأسها ولكن هذه المرة الى بيت والدي. 

لم تغير قسوة الحياة شيئاً من طبيعة عمتي؛ كانت محبةً للأطفال برغم حرمانها منهم، مساندة تبادر الى المساعدة دون طلب رغم سني عمرها المديد وبنيتها الهزيلة… 

هذه الصفات مجتمعة جعلت منها انسانة محبوبة من الجميع صغاراً وكباراً؛ الأهل والأصدقاء والجيران… عندما أقامت عمتي في بيت والدي كنت قد غادرته قبل سنوات بسبب الزواج. وكنت كلما زرت بيت العائلة افرح بلقائها والاقامة بقربها والاستماع الى حديثها الشيق العابق بالشجن …

وكثيراً ما روت لي أخباراً عن ابنتها فاطمة وعن طفولتها ومرضها وعن حياتها في المنية مع زوجها في بيتها الكائن وسط بستان كبير من الليمون وحكت لي أحاديث متنوعة عن أصدقاءٍ وعائلاتٍ من طرابلس كانوا يقصدون منزلها في الربيع للتنزه ولقضاء “السيران” والتمتع برائحة زهر الليمون الفواحة وكانت دائماً ما تختم حديثها بابتسامة حزينة مع كلمة “راحوا”.. 

نعم هم راحوا وما لبث والدي أن لحق بهم. والدي الذي استضافها ليكون لها مقام الولد الذي لم تنجبه، رحل بعد سبع سنوات من اقامتها في بيته وبعدما أقعده حادث سير لمدة أربع سنوات عن الحركة. كانت خلال تلك المدة خير معين وخير ونيس لوالدتي في محنتها بعد أن فرغ بيت العائلة من ساكنيه، فقد هاجر الأولاد الذكور وغادرته انا وأختي الكبرى بسبب الزواج. 

رحلت عمتي بعد سنوات من رحيل والدي وبعد أن بلغت من العمر عتيا فقد تجاوزت التسعين من عمرها..

رحلت حاملة معها تعب السنين وذكرى من رحلوا ومن كانت تقول عنهم بصوتها الهادئ ونبرتها الحزينة “راحوا” أما أنا فلا زالت ذكراها تعبق في وجداني وعقلي، وما زالت صورتها بقامتها النحيلة، وظهرها الذي أحنته السنون محفورة في ذهني وخاطري.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.