صالح عبده.. رائحة الشارع وصدى حكاياته

صالح عبده.. رائحة الشارع وصدى حكاياته

خالد جهاد

يمكننا القول بأن الفنان التشكيلي صالح عبده، انتزع من الحياة تفاصيلها، روحها، وأجمل معانيها فيما لا يزال الكثيرون يبحثون عن ملامحها وفي ملامحها، وجد مفاتيح جمالها الحقيقي في بيئته الأم فدخل إلى رحاب الفن عبر باب الحلم العريض كموهبةٍ شابة ومتميزة تعد بالكثير مستقبلاً، وتمثل الوجه المشرق لإبداعات الشباب السوداني على أكثر من صعيد، والذي يرتسم في لوحاته.

فبمجرد التجول بين أعمال صالح عبده سيشعر المتفرج أنه استطاع الإلمام بجوانب هامة عن الثقافة المحلية السودانية، بل وقد ينتابه ذلك الشعور بأنه عاش للحظاتٍ هناك وتنقل بين الأحياء والقرى والمدن على مدار عقود، لأن كل مشهدٍ يقدمه متشبعٌ برائحة الشارع وصوت الناس وصدى حكاياتهم التي نلمسها ونلمس ذلك الدفيء المنبعث منها عبر طريقته في الرسم، وأسلوبه في نقل الجمال الذي لا زال بكراً ولم تزيفه متطلبات العصر، لتبدو تلك اللحظات أشبه بحكايةٍ مصورة يؤدي فيها الكل دوره بمنتهى التلقائية دون أن تشغله الزاوية التي ستنقل تعابيره، الكل مستغرقٌ في الحياة التي يقضيها معظمنا وهو يبحث عنها ضمن الكثير من الأشياء دون أن يجدها، ولعل توظيفه للألوان التي تشكل علامةً مميزة في يوميات السودانيين وأزياء السيدات على وجه الخصوص يكسبها أكثر من بعد ويضفي عليها مسحةً شاعرية تحملها بخفة بين عدة أزمنة رغم واقعيتها، حيث تحمل مختلف هذه الوجوه ذلك الإحساس المرهف بالأرض والطبيعة والذي يجعلها في حالةٍ من التماهي مع الذات والانسجام مع محيطها..

كما تفيض لوحات صالح عبده بشجنٍ خفي وحنينٍ لا تخبو شعلته إلى الماضي بل يتزايد بمرور الوقت لينتج زمناً مختلفاً يعيش فيه مع من يشبهونه ويشبهون الروح التي تتحسس طريقها بعد اختلاف معالمها عما ألفته وعن تلك النظرة الشفافة التي اعتادت أن ترى بها الأشياء والدنيا من حولها، حيث تكتسب أبسط التفاصيل وأصغرها معنىً وجدانياً لا يبارح المخيلة ويفتش عن شبيهٍ له بين العابرين، أولئك الذين قد يبدو حضورهم ثانوياً في أيامنا لكنه لا يخلو من أثرٍ يتركه فينا رغم إرادتنا..

ونجد أن الأسواق الشعبية تشكل في العديد من لوحات صالح عبده مصدر إلهامٍ أساسي وكأنها مدرسةٌ مفتوحة على مد البصر يرى فيها ذلك الحراك المعبر عن التباين والتفاوت بين البشر واحتياجاتهم وانطباعاتهم وردّات فعلهم وتعبيراتهم التي تختصر مجموعةً من الحالات الإنسانية ذات الخصوصية والتي يغلب على معظمها الكفاح الممزوج بالابتسامة، كما تؤرخ هذه اللوحات أيضاً لوجود مهن وحرف متنوعة تشكل جزءاً من ذاكرة السودانيين التي تشارك فيها المرأة بوضوحٍ وكثافة، كونها قادرةً على الجمع بين ممارسة طقوسها الاجتماعية والعمل رغم قسوة الظروف، كما نلحظ في اللوحات ذات الألوان الداكنة تلك الإشارة إلى الأمس الذي بات بعيداً عنا بمختلف مفرداته وصوره وعناصره وأصبح شبيهاً بطيفٍ لا يمكن ملامسته، وهو لا يمثل البعد الزماني وحسب بل ويمثل ما آلت إليه الأحوال من تردٍ بعد ما كانت تنبض بالحياة.. وهو ما يجعل من أعمال الفن صالح عبده نوعاً من التوثيق الفني الشامل للمشهد السوداني بأسلوبٍ مميز وراقي، يتسم بالنضج والعذوبة والعاطفة النقية التي تيقظ فينا جانباً لا زال يقاوم ما نعيشه من واقع ويسبح بأمانيه عكس التيار..

من أعمال الفنان التشكيلي صالح عبده

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.