هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان السعودي عبد الله حماس
صديقي..
انظر بوجل وحذر إلى هذا الشخص الغريب, وأحار في أمره وأتساءل: أيمكنني في بضع كلمات أن أضمد جرح عتيق، جرح مازال ينزف وكأنه جديد؟ فأنا لا أدري إن كنت أدري، ولا أدري إن كنت لا أدري، إن كنت استطيع.
لعلي أحتاج أن استحضر إيليا أبي ماضي لأسأله كيف كان يدري بأنه لا يدري؟ لذلك لن أجرؤ على الاقتراب من المجهول لكن سأحاوره من بعيد.. كيف؟ أليس هذا سؤالك؟ حسناً سأسأله.. وعنه أجيب، وأرنو بشغف وحنين إلى هذا الرجل السقيم، أبحث عن الطريف العجيب لعلي عن أسئلتي أستطيع أن أجيب.
صديقي..
يفتح النافذة ويغلقها.. يفتح الباب ويغلقه.. وأتساءل عم يبحث؟ وماذا يريد؟ ويعود إلى الركن خلف الموقد ويخفي وجهه بيديه، فأسأله بصمت وعنه أجيب: لم أنت كئيب؟ لا, لا تنكر ألا ترى كم أنت حزين الطرف شريد، قهوتك بردت وسيكارك نفث وأظن قلبك كذلك ويزيد، أما من غيمة أجلي، أو من غم فأريح، أو همّ فأزيح
هل تبحث عن شيء؟ وعنه أجيب أن الهواء بلا عبير! تباً كنت أظنها أخذت حرارة الموقد وإذ بها أخذت من الهواء العبير.. أ, انتظري لا ليس هذا فقط, بل أخذت حبّات المطر، وكذلك حفيف الشجر، ومن السماء سرقت النجوم والقمر, ولم تترك لي إلا ما نذر، فأجيب على إجابتي: يا ألهي كم أنت عنيد.. كم مرّة عليّ أن أعيد! حرارة الموقد فيه، ولكن أنت الذي لفك الصقيع, والهواء؟ وهل للهواء عبير؟ إن الهواء كالماء مواد تنظيف.. لكن تسمى بأسماء فعل الفاعل وبها يكوًن المفعول, لكن.. تقصد أن تقول أخذت عبيرها.. وهل يمكن لمثلها أن تبقى بلا عبير؟ اقتحمت حياتك عندما كنت شاباً فتيا غرّيدا، وتركتك عندما كان هذا أسوء ما لا تريد!
تقول أخذت حبّات المطر وكذلك حفيف الشجر! لكن ألم تعلم أن حزن المطر والشجر كحزنك، فكيف تنكر عليهم حزنهم بالوقت الذي أنت فيه حزين، وتتهمها بسرقة النجوم والقمر! أنظر إلى السماء, ألا تراهم يقفون بباب مخدعها بشغف وحنين، ذهبت.. نعم ذهبت لكن.. تركت ما يكفيك ويزيد، وتركت ما يملؤك ويفيض، تركت لوعة وغصّة وآها تجعل المعافى مريض، ودمعة تأبى النزول وتأبى أن تغيض، وتركت شغافاً حول القلب سقيما، وتركت حنيناً بين الضلوع وأنينا، وطريف منك بعد الذي تركت أن تطلب المزيد، وهي.. هي لم تأخذ إلا زادها وهو النذر القليل اليسير، أخذت قطعة من القلب، وأخرى من الكبد والكبرى من الروح، وهل هذا عليها بكثير؟
لكن.. لم أنت كئيب؟ كسير الطرف وحيد؟ أما كان يكفيها منك أن تبقى معها إلى جانبها؟ وأنت فعلت، لكنها غادرتك وبدون إذنك، لكن مهلاً أتظن أنك في الشقاء الوحيد؟ وأسألك من جديد، لو لم تذهب فهل كان لك بالأخرى نصيب؟ وهل كان طفلها في الدار غرّا صغيرا؟ لا, لا تقل هذا ما لا أريد، وهل كان هناك شيئ كما تريد؟ وبقولي لا أقول هذا هو الأفضل، لكن الله لإرادته يجيد، أفلا تؤمن بأن الله هو وحده يُنفثَ الروح وإليه يعيد؟ وأننا جميعاً إلى هذه النهاية وإلى هذا المصير؟ وأن القدر هو الذي يرمي ويُصيب؟ أم أنك تتوهم أن القدر عجينتك وأنك أنت لست العجين؟
ضع أصبعا أمام عينيك، وقل هذا أصبعي وكرر, كرر بقدر ما تستطيع، قف أمام مرآتك، وقل هذا أنا، وكرر, كرر بالقدر الذي تريد، ثم بصوت عالٍ وعالٍ قل ماتت واسمع القول وكرره، ولا تقل تأبى أن تغادرني، وإياك أن تنسى أنها ماتت فأنت على قولك شهيد، ولا تظن أن بقاءك على ذكراها وفي أطلالها هو ما يجعلها في صف من نقول عنه: هانئ وسعيد، فبموتك وانت حيّ تذبحها من الوريد إلى الوريد
فدعها من همّك تنجو وتستريح، فقد ناءت به سابقاً وجعلتك قريرا، أم أنك تحب أن تحمّلها ذنبك؟ وأنت من جعل نفسه أسيرا، فكيف لها من همّك أن تشفى.. وأنت سقيم
أما آن لها أن تبرأ منك وقبلتها عن وجهك تدير؟ بالله عليك، كفّ شقاءً واسترح أنت
واتركها منك وعنك تستريح، تركت أمانة عندك تحتاجك وتحتاج منك الكثير
أم أنك تعوّل على الأخرى؟ حمل أمانتها بالصبر المرير، أنظر إليها.. فهل تخالها قد قدت من الحديد؟ إنها تعطي كما أعطت الأولى بالرغم من وجود الشريك، أم أنك لا ترى أو هذه الرؤيا لا تجيد؟ أحبابك يسيرون إلى الأمام قدماً وأنت للخلف تواصل المسير، سر معهم.. خلفهم.. أمامهم.. حولهم فذلك هو المفيد، عبّد لهم الدرب اليسير.. ويسر الدرب العسير.. فقد يأتي اليوم الذي يكون حزنك عليهم أو على أحدهم وقد يأتي اليوم الذي يكون فيه إليهم للخلف المسير، فجميعنا عجينة القدر إن أردنا أو إن كنا لا نريد
صديقي.. أتساءل أهو الوفاء أم تعذيب الذات؟ فإذا كان وفاءً فإن الوفاء للأحياء، وإن كان تعذيب الذات.. فهو مرض لا بد له من العلاج.
صديقي.. لما نأبى أن نغادر الذين يغادروننا بالوقت الذي كنا لا نحس بوجودهم إلاّ من خلالنا؟ وعندما يغادرونا لا نغادرهم، أليست هذه مفارقة؟ نتبع الذي لا يريدنا، ويجري خلفنا الذي لا نريد، أما من أحد يردنا بالوقت الذي نكون له؟ نحن نريد
أم أنها الحياة لا تصفو وإن صفت فذلك إلى حين، أم نحن من يطلب المزيد؟ فأنا لا أدري إن كنت أدري، ولا أدري إن كنت لا أدري! فليت إيليا يومئ لي كيف كان يدري أنه لا يدري.. وبهذا أكون قد حصلت على ما أريد.