شرفة البحر

شرفة البحر

اللوحة: الفنان النمساوي فريدريش أميرلنغ

محمد محمود غدية

تستقبل الصباح ببسمة حانية، تشكر الشمس على صبغة بشرتها بلون الذهب، ناضرة كالفاكهة ليس ذلك ما شده نحوها، لكنه ذلك الكتاب المتوحدة معه في استغراق تام، لدرجة أنها لا ترى الأطفال الذين يتقافزون حولها، مدهوشا أمام تلك الحسناء التي تقرأ في رواية من تأليفه، آية مصادفة ألقت بها جواره، إنها القارئة الوحيدة لمؤلفه بطول الشاطئ، مياه البحر تداعب ساقيها برفق، تعلوها مظلة ألوانها زاهية، إنها امرأة تشبه حوريات البحر والأساطير، تتأمل زرقة البحر حينا، ثم تعود للكتاب غير مبالية بلوعة الكاتب، الذى تعطلت لديه لغة الكلام، حتى أن جنيات الكتابة فرت من أمامه كالغزلان المذعورة، عيناها لا تفارق مؤلفه، انتقل بمقعده قربها دون استئذان فقد اكتشف طوال ساعات ثلاث أنها وحيدة لا رفيق أو أنيس سوى الكتاب، أربعينية مازالت تحتفظ ببعض جمال لم يغادرها بعد، زحف اللون الفضي برأس المؤلف في مهابة، وهو المعتني بأناقته، له بالأسواق خمسة مؤلفات روائية، صحفي يشرف على الصفحة الأدبية في إحدى الصحف القومية، لم يسبق له الزواج الذى يراه معطلا عن طموحاته الأدبية، في منتصف العقد الرابع.

في البداية رسمت بوجهها علامات غضب ودهشة، في اقترابه منها دون استئذان، سيخبرها عن إثمه ستسعد أنها أمام المؤلف شخصيا الذى تقرأ له، ستطلب منه التوقيع على مؤلفه مع كتابة إهداء لأجمل أربعينية بطول إسكندرية كلها، سيعتذر أنه قرأ عنوان الكتاب دون استئذان يتبعه اعتذار ثان عن اقتحامه شمسيتها، ستقبل كل اعتذاراته حين تعرف هويته التي مازالت غامضة حتى اللحظة.

– صباح الخير 

قالها دون أن يتلقى رد منها، أعاد ما قاله ربما لم تسمعه ولم يتلقى أيضا ردا، لا شيء سوى امتعاض وغضب، كان لابد له من تقديم الاعتذار ثم التعريف بنفسه مؤلفا للرواية التي بيدها، تحدث عن مؤلفاته العديدة وعن الجوائز التي نالها، بين دهشتها وهى لا تعرف عما يتحدث، وكأنه يتحدث بلغة غير مفهومة، مشيرا لمؤلفه الذى بين يديها والمتوحدة معه طوال ساعات ثلاث مما يعنى إعجابها بالرواية، صفعته ابتسامتها الواسعة وهى تقول:

أنها تقرأ في كتاب هذه الشجرة، وهو كتاب عن المرأة لمؤلفه عباس العقاد، الكتاب قديم ابتاعته من سور الأزبكية دون غلاف، وكان لدى البائع ذلك الغلاف لمؤلفك دون محتوى، وضع كتاب العقاد بداخله، انا آسفة بجد، آسفة أن خيبت ظنك، لست من هواة قراءة الروايات، وليس هذا بكتابك.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.