تصادم

تصادم

اللوحة: الفنان السوري مجد الحموي

سليم الشيخلي

هل أنت الحصان أم العربة؟ أم أن الهذيان الذي يسرج صمتك طريقاً للخلاص هو الحد الفاصل بين النوافذ والطلاسم؟

الأيام بين يديه حبات مسبحة لذلك استيقظ متأخراً، استحم، ارتدى الصباح، تمتم بأدعية ونزع ورقة معلقة بأسماء من سيزورهم، ثم أغلق الباب وامتطى صهوة حصانه، وقف أمام منزل صفية ذات القلب الضعيف.. وانسل مسرعاً قبل أن يبدأ الصراخ ليجلس قرب النهر يطالع الأسماء من جديد.

– بعد ثلاث دقائق ستستقر طلقة في جسد حسن.

عاد لأدعيته ليظهر فجأة قرب حسن، صخبت القرية بصوت الطلقة، مات حسن وهرب الجاني! جلس في مقهى بانتظار الحافلة القادمة من المدينة ونعيمة التي خرجت من المستشفى بمرضها العضال، أخرج من يديه حبة صغيرة وازدردها شاكراً الله، سيغطس في قاع الترعة بانتظار كيس داخله فتاة.. في الساعة السادسة دخل سجن القرية ليعود سجين بغيبوبته وجنبه عصا مدماة.

– لم يعترف ابن الزانية رغم وجود كتب ممنوعة في داره.

وبعد لحظة كتب مأمور المخفر في تقريره أن السجين قطع شريانه.

خيوط تربط بين الاندفاع والخوف، العاصفة والساحل فداود هذا رزق بأبناء وأحفاد كثر يقف على أول خطوات الثراء، بيت كبير خلفه بستان أخضر، جلس كعادته المسائية، الكرسي الهزاز، عدة السهرة، حرك الكأس بيديه مستمتعاً بطرطقة قطع الثلج وخلفه وقفت زوجته قلقة.

– ما هذا التناقض، حفلة منكر بعد صلاة العشاء؟

– رحمة الله واسعة.

– لم يبق من العمر الا القليل فاستقبل الآخرة وأنت نظيف.

تذكر الموت والقبر والحساب. أحس بصراع داخله فالاثنان واجب. الموت يقترب في الوقت الذي بدأ في جني ثمار رحلة ستين سنة من الكدح والتعب، أخذ ينظر إلى البستان أمامه، تراءى له شخص بعباءة بيضاء يختبئ خلف شجرة.

– أعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم، ما ذكرك بالموت يا عزيزي.

رفع الكأس إلى شفتيه وبدأ بالتوسل إلى الله أن يمد من عمره سنوات يتحرر فيها من كوابيس السنوات القاسية ويستمتع بالأيام الجديدة في بيت كبير وبستان أكبر. حدق به ليرى عباءتين بيضاويتين تتحاوران، اختفى أحدهم للداخل، توجس خيفة وبدأ من جديد بالدعاء والتوسل، بعد لحظات أحس بهدوء مؤقت رحل معه هارباً إلى خدر يفتح شبابيك مضاءة داخل نفسه، جلبت له زوجته العشاء وتهديد ان لا يقترب منها هذه الليلة.

 الظلمة مسرح المتناقضات ولعبة العقل وعند حدودها ترسم صلوات في رحمها عزاء. اقترب الأنيق بعباءته البيضاء، ألقى التحية وهو يرتقي درجات قليلة.

– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

قالها بخوف ودهشة للزائر الذي سحب كرسياً ليجلس عليه. نظر الى وجهه الجميل وقال متلعثماً : 

– لا أدري ما اقدم لك، ليس أمامي إلا الخمرة، أتشرب؟

– لا.

– أعذرني، أداري الأمر بالكتمان لكنك فاجأتني.

– ليس سراً كلنا نعرف أنك تصلي وتشرب الخمر.

أراد أن يسأله من أنتم لكن الحذر الراجف أخذ مكان الخدر في حضرة هذا الزائر، ملأ كأساً وشربه بسرعة ليعيد ترتيب نفسه، أشعل ثقاباً بيد مرتعشة وقربه من سيجارته.

  • أتدخن؟
  • كلا.
  • الأكل أمامك، تفضل؟
  • لا آكل مطلقاً.

رسم ابتسامة بلهاء على محياه وقال:

  • ألك حاجة أقضيها؟
  • بل لك أنت حاجة معي.
  • ما هي؟
  • المفروض أن تموت قبل قليل لكن توسلاتك أجًلت الموعد.

صمت قليلاً يعب هواء ليملأ رئتيه والعرق البارد ينساب من جبينه.

  • إلى متى؟
  • خمسون سنة أخرى تستقطع عشر سنوات في أعمار أبنائك الخمسة.
  • ما ذنبهم؟
  • لتتمتع بما جنيت من ثروة.

نظر إلى القنينة وقطرات العرق المالح تبلله، خمسون عاماً كافية لأن يعيش الحياة الجديدة، لقد تعبت من أجلهم كثيراً، بدأ الخدر يستعيد عافيته المهزومة.

  • موافق.
  • على الرحب والسعة. قام مودعاً واختفى داخل البستان المظلم.
  • مع ألف سلامة، قالها بابتسامة المنتصر ومد ساقيه.

 رن جهاز الهاتف، ملأ كأسه، لم يعبأ بمسحوق الحوار بين زوجته والطرف الآخر، لكن صرخة من الداخل أفسدت ليلته، قفز ليركض متعثراً بأشياء عديدة، زوجته مرمية على الأرض وسماعة الهاتف تتأرجح في الفراغ، سحبها وصرخ.. آلو.

  • نعم عمي، قالتها وداد بصعوبة.
  • ما الأمر؟
  • مات سليمان.

صرخ بكل ما يملك من قوة… ” لا “

فجاءه الصدى من كل الاتجاهات. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.