اللوحة: الفنان الأمريكي مورغان ويستلينج
دعاء صابر

– أبي.. أحقٌ أننا نشرب مياه المجاري؟
احتضن ابنه وتمتم بحنان لم يخلُ من دموع القهر:
– لا يا بني، نحن نشرب مياها مفلترة جزئيا من المواد الضارة وغير الآدمية بما يتناسب مع المرحلة، هذا ما قاله وزير السُقيا ونحن نصدقه، منذ جف منبع المياه العذبة وهم في ورطة، البحر أمامهم والمحيط خلفهم وتحلية المياه هي سبيلهم الأمثل نحو مياه عذبة، لكن كيف؟ إن البلاد تمر بظروف مادية صعبة ومحطات التحلية مكلفة، لذلك لا بد من البحث عن بديل.
بعد مدة أمضتها الدولة في تجارب حث تكوين بخار الماء في السحب؛ لتحفيز هطول الأمطار، هطلت الأمطار بالفعل، لكنها كانت معبأة بمواد كيميائية حارقة تنتج من أدخنة مصانعهم.. بعد توزيع المراهم وال”شاش” على المواطنين بشكل عاجل، تم طرح فكرة ترشيح مياه الصرف.
في البداية تحسس الجميع حروقهم أمام التلفاز؛ عندما أعلن عن وجود مشروع قيد التنفيذ، لكن بعد الإعلان عن ماهية المشروع تحسسوا أماكن أخرى:
– أي أننا سنشرب بول بعضنا البعض! في تلك الحالة أفضل شرب بولي وحدي فإنني أشمئز من بول الآخرين!
هاج الناس وأطلقوا العديد من العبارات البذيئة التي اقتطعتها وسائل الإعلام أثناء “مونتاچ” الحلقات التي عرضوا فيها ردود الفعل المختلفة للمواطنين، فيما بعد تحدث وزير السُقيا الذي تم تشكيل وزارته منذ بدء الأزمة فقال:
– إن الدولة تسعى بكافة جهودها لتوفير حياة كريمة لمواطنيها، إن ما نعرضه عليكم هو مرحلة مؤقتة ريثما تنهض الدولة فوق قدميها لتستطيع إنشاء محطات التحلية، لذلك في حالتنا تلك لا بد من ال”تحديق” قبل ال”تحلية”
– ولا مانع أيضا من التغميس!
الكلمة الأخيرة كانت آخر ما قيل في التذمر، لأن بعدها توقفت شاحنات المياه العذبة عن التردد على المحافظات كما كانت تفعل، وبالتالي انقطعت كل قطرة ماء عذب كانت تصلهم.
بعد فترة من قحط الجفاف والتهابات الشرج بسبب الإمساك المتكرر، استقبل الناس مرشحات الصرف بالتهليل والفرح، أثناء التركيبات سأل طفل ما أباه وسط الجموع: ألن تأتي الشاحنات لملء الحاويات بالماء؟
– لا يا بني، تلك سنملؤها نحن!
كان المشروع عبارة عن مرشحات ضخمة يتم تركيبها لكل بناية على أن ترشح الماء وتضخه مجددا إلى الموتور الذي سيوزع الماء بدوره، بعد فترة وجيزة ظهرت أمراض عديدة، منها الجديد ومنها ما هو إعادة نشر لوباء قديم بالإضافة لحالات تسمم الكلور، هنا تحدث وزير السُقيا مجددا بعدما أطلق الناس عليه اسم سُقيا لورين:
– إن المرشحات التي لديكم ليس لديها القدرة على ترشيح الماء بشكل كامل، هي تستطيع فقط ترشيح الماء بنسبة ثلاثة وتسعين بالمئة، أما السبعة بالمئة الباقين فلدى كل مواطن كليتان تستطيعان العمل كمرشحات داخلية لإزالة الشوائب المتبقية.
تلك كانت المرة الأخيرة لظهور الوزير سُقيا لورين في التلفاز، بعدها لم يعد التلفاز يعلن سوى عن عدد حالات الكوليرا وفيروس شلل الأطفال الذي تحور ليصيب الكبار أيضا!
بعد مرور مدة من الزمن وأثناء تناول العائلات للبطيخ كغذاء أساسي لإدرار البول، ظهر على التلفاز خبر افتتاح الرئيس لنافورة عملاقة وسط المحيط، تم إدراجها في موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأغلى نافورة في العالم، في تلك اللحظة سقط حجاب الصمت عن الناس بجانب قطع البطيخ، لكنهم تذكروا آلام التهاب الشرج في آخر مرة تذمروا فيها فالتقطوا الحجاب مرة أخرى وغطوا به رؤوسهم جيدا مخافة أن يقطعوا عنهم الماء.