هند

هند

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان اللّيبي عبد السّلام النّطاح

صديقي.. سأحدثك عن هند:

وقفت وهبّت في وجهه صارخة, إلى أين؟ تسمّر في مكانه ناظراً في عينيها كمن لا يريد أن يتكلم، إلاّ أنها تابعت: طبعاً لا يهمك لا فرق عندك إن كنت متعبة أو مقهورة أو يائسة، أنا أكاد أن أنفجر أريد أن أتكلم, نظر إليها نظرة كمن لا يقوى على الكلام، فتابعت: أعقب سيجارة أنا؟ ما إن تفرغ منه حتى ترميه؟ إذاً لماذا تزوجتني؟ و..؟ و..؟

واستمرت في حديثها، أما هو فقد قادته أفكاره إلى عوالم غامضة لم ير فيها لا بارقة أمل ولا بارقة ظلام، ولم ير فيها لا خيط أمل ولا خيط حرير ولا خيط كتان, وغاص في نفسه مفكّراّ.. يا ألهي معها كل حق، لكن ما العمل؟ جاهد نفسه وقال: لكل شيءٍ حلّ.. لكن كلماته هذه أججت ثورتها وصراخها وقالت: متى؟

كانت تثور وتصرخ بكلمات يفهمها وأخرى لا يفهمها، لكنها صمتت بعد أن أيقظتها صفقة الباب.لامت نفسها مفكّرة، ألاّ أستطيع أن أتكلم بهدوء, ها هو قد خرج والله أعلم متى سيعود! بعد ساعة أو ساعتين أمضاهما على طريق ترابية تحت ضوء القمر مفكراً لماذا يجري معي هذا؟ أليست هذه هند؟ والذي كنتَ تسافر من مدينة لأخرى من أجل بضع دقائق تمضيها معها، أومن أجل أن تعطيها وردة؟ أليست عشقك وسرك واستكانتك؟ أليست حبيبتك وملاذك؟ مشى ومشى ولم يجد نفسه إلاّ أمام الباب. أمّا هي فقد ألقت برأسها على وسادتها, وما أن تجف دموعها حتى تستجديها, فتبكي ثم تبكي، محدّثة نفسها ولأيُّ شيء يبقى؟ لقد حفظ هذا الموال ومواويل أخرى على شاكلته, فقط لو تكلمت بهدوء أقل. 

فتح الباب ودخل, فسارعت إلى إغماض عينيها مدّعية النوم، اقترب منها ولامس رأسها ممسداً شعرها قائلاً: أراكِ هدأتِ ونمت الحمد لله! وما أن رأته هادئاً حتى اشتعلت نارها وصرخت: لا لم أهدأ ولم أنم, واستأنفت جولتها.. أجلسها بقوة, أمسك بكتفيها مهدّئاً ثم أحتوى رأسها ووجنتيها بكلتا يديه، فألقت برأسها على كتفه, ولم ينطق بكلمة حتى فرغت من البكاء.

مسح عينيها مبتسماً قائلاً: فقط قولي ما بك؟ وما الذي حدث؟ اتقدت عيناها ونظرت إليه بحدة سائلة: من تلك التي كنت معها؟ هز رأسه متسائلاً نافياً غير متذكر, ثم استدرك آ، سها؟ حدقت في عينيه قائلة باستهجان: ها أراك تذكرت وأسمها سها؟ تمالك نفسه بابتسامة ما لبثت أن تحولت إلى ضحكة مجلجلة, مما أزال التوتر ولو بشكلٍ جزئي, ثم نظر إليها جاداً سائلاً: ألاّ تثقين بي؟ فردت بشكّ بلى, ولكن جعلتني أضحوكة, أضحوكة للجميع، فردّ مدافعاً عنهم وعنه وعنها: ربمّا وجدوها نقطة ضعف عندك فأرادوا استغلالها من باب التسلية, أنتِ ما الذي يعنيك من كلِّ هذا طالما أنا معك أنتِ, أما سها وغيرها, فأنا من يحدد العلاقة معه لا هو ولا أنتِ ولا أيّ أحد من الناس. 

وما أن أغلق هذا البابً حتى فتحت له باباً آخر، انصت وأطرق مفكّراً أنا لا أستطيع أن أتخلى عنهم ولا عنها إذاً ما هو الحل؟ ثم قال: حبيبتي انتظري ريثما تتحسن الظروف فأنتِ ترين أني أعمل ما في وسعي، فسألت: ومتى تتحسن الظروف؟ فهم لا يحبونني، فتمتم أنتِ لا تحبينهم وهم أهلي وهم لا يحبونك وأنتِ بعض روحي. 

اعتدلت في جلستها وقالت باستغراب: بعض روحي؟ أما زلت تحبني؟ مضى زمن لم تقل لي أيًّ كلمة! اقترب منها وابتسم قائلاً: وهل الحب بالكلمات؟ لكنها انتفضت وابعدته عنها، وقالت: الحب ليس بالكلمات والحب ليس بالأفعال والحب أيضاً ليس بالمال ولا بالمواقف. 

إذاً كيف نترجم هذا الحب – الكره، أو هذا الحب – اللامبالاة؟ وكيف نترجم هذا الحب اللاحب؟ ورغم كل ما سمع، حافظ على هدوئه في هذه المرة فهو يدرك أن المشكلة تبدأ عنده وعنده تنتهي، وكذلك في كل الأمور المشاكل من أجله وبسببه تبدأ, ومن أجله وبسببه تنتهي, وعليه وحده التحمل, لأنه وحده هو الذي يديه باتجاهين, هم وهي طرفان، وكل طرف يحاول شدّه دون رأفة بتلك اليدين, وبدون وجود للأم الحقيقية التي ترأف بتلك اليدين اللتين لم تعودا تقويان على الثبات في مكانهما, وكلّ يحاول أن يستولي على اليد التي يمسكها. 

همس: والله معهم حق، لذلك كله حافظ على هدوئه وقال بحنان بالغ: الزمن فقط انتظري الزمن, الزمن يا هند, الوقت صعب علينا جميعاً أما عليك فهو الأصعب, لآنه هناك من شاركك حلمك وعبث به, لكن قفي إلى جانبي ولا تقفي ضدّي, فإن وقفت ضدّي فبماذا تختلفين عنهم؟

وقعت كلماته كالسهام، إذاً لا مفر من الوضع, وهو وهي من يدفع الثمن مضاعفاً، لذلك شعرت بالخدر، أهو الاستسلام أم المحبة أو الشفقة عليه, المهم إنها تخدرت، وشيئاً فشيئاً نسيت نفسها وحياتها ونسيت حبيبها وحلّمها لكن السؤال الذي لم تنسَ طرحه على نفسها هو: لو بقيتُ بدون زواج أليس أفضل من عودتي إلى أهلي مطلقة؟ وأيضاً أليس أفضل من هذه الحياة التي أحياها؟ لم تجد جوابا أحقّاً هي نادمة؟ أم سيكون ندمها أكبر إن لم تتزوج؟ ربّما على أحد ما أن يفكر عنها ويخبرها أيُّ الخياراتِ أقلُ مراراً، الزواج في بيت أهل الزوج، أو عدم الزواج؟ وإذا حدث الزواج أيّ الخيارات أقل مراراً: العودةُ مطلّقةٌ, أم الاستمرار في هكذا زواج؟ حقاً أبوابها مشرّعة ومفتوحة على أيّ رأي, فهي لم تعد تقوى لا على الفرح ولا على الحزن ولا حتى على التفكير.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.