اللوحة: الفنان المصري أحمد فؤاد سليم
محمد محمود غدية

داهمته الهموم بعد وفاة والده المفاجئ، حول أوراقه الجامعية من انتظام إلى انتساب وعمل في إحدى الورش التي تعمل في صيانة وضبط إطارات السيارات، بعد أن أصبح مسئولا عن الإنفاق على أمه المريضة وإخوته الصغار.
توقفت أمام الورشة سيارة تقودها فتاة في ربيع العمر، خطفته عيناها وحاصرته وهيئته لما تريد، سألته عن مكان قريب تبتاع منه زجاجة مياه، استأذنها للحظات عاد بعدها بزجاجة المياه، كانت عطشى، استمتع بمراقبتها والماء ينساب بين شفتيها كاللؤلؤ المنثور في إناء من البللور، تمتم بكلمات مبهمة حين يسرى يمرى، أوضح لها المقصد من قوله، شكرته بابتسامتها الساحرة، لمحت على الكرسي كتابا حقوقيا عرفت منه أنه يدرس الحقوق مثلها، شكرته حين رفض أن يأخذ منها ثمن زجاجة المياه المعدنية، تبادلا أرقام الهاتف وانصرفت، استيقظ في المساء على رنين هاتفه إنه رقمها! تعجب متسائلا: هل يمكن للمطر أن يتساقط في الربيع عكس قوانين الطبيعة، صوتها شديد الخصوصية يحمل نفس ملامحها الجميلة، بعدها استسلم لمناوشات الأحلام التي أمسكت به لترطيب قسوة الحياة، ولأن للأقدار رأيا آخر في ترتيب أمورنا في كثير من الأحيان، اشتد المرض بوالدته شريان حياته، على الفور نقلها الى إحدى المستشفيات العامة، كتبوا له روشتة بالحقن والأدوية المطلوب شراؤها من خارج المستشفى، عاد بالأدوية ليجد والدته وقد اشتد بها الألم، جرى في أروقة المستشفى بحثا عن الطبيب، الذى وجده يحتسى قهوته في تلذذ ويقرأ الجريدة، صرخ في وجهه: أمي تموت يا دكتور! أستحلفك بكل غال لديك سرعة إنقاذ أمي، الطبيب لم يرق جانبه ولم يتأثر، خطف الجريدة من بين يديه أمي تموت وأنت تقرأ في الجريدة؟ استنجد الطبيب بالأمن الذي صحب الابن إلى قسم الشرطة، بعد أن اتهمه الطبيب بالاعتداء عليه أثناء تأدية عمله، وشهد الممرضون بصحة الاعتداء خلاف للحقيقة ومجاملة للطبيب.
في محبسه تلقى خبر وفاة والدته، بعد يوم وليلة فتح الحارس الباب ليجد الطعام كما هو لم يتناوله، وهو مكورا كالجنين في بطن أمه، حاول الحارس أن ينهضه للمثول أمام النيابة فلم يستجب.