تكوير

تكوير

اللوحة: الفنان السوري إسماعيل أبو ترابة

سليم الشيخلي

رسالة غريبة برزت بينهن فتركت الأخريات ينزلقن من بين أصابعي، كان عنواني باللغة العربية ما عدا كلمة “كويت” فقد كررت بالإنجليزية، تأملت الطابع فازدادت حيرتي، البرازيل، أعشق السامبا وأحب بيليه لكن ليس لها نفير لدي ولم أعلقها جدران أزقتي، قلبته لأقرأ اسم المرسل فمستني رعشة بإيقاع عميق، عبد الرحيم علي صديقي النقي الذي غادر منذ سنة ونصف من مطار عمان بدون أمتعته خارجاً للدنيا محارباً بإصرار، فتحتها بطقس احتفالي وبدأت أقرأ: “عاهدتك أن أكون معك ولو على ورقة عندما تتصالح الأيام معي، عندما ودعتني وقفت طويلاً أمام موظف الجوازات الذي شك بأوراقي الثبوتية، كدت أقول الحقيقة لكن ابتسامته كانت معبراً للجانب الآخر.                                                     

ـ هل ستعود إلى الأردن؟                                  

ـ كلا.                                              

 قال وهو يختم الجواز:                                            

 ـ الله يساعدكم، اذهب والله معك.                                                                               

الطائرة عالم يرزح بالجمال والرفاهية، كم تمنيت أن أبقى بها، أسأل السماء عن قرب فتجاب طلباتي بسرعة، عند حاجز الترانزيت سألني الموظف عن وجهتي، ولما عرف أنها ألمانيا طلب الانتظار، جاء شرطي وطلب بعربية لم أفهم منها إلا بقدر الحدث فتبعته.

ـ إنه جواز حقيقي صادر من سفارة بلدي في عمان.

ـ والفيزة؟

ـ أصلية من السفارة الألمانية.

ـ سنتصل بالسفارة لمعرفة ذلك.                                                 

أحسست أن الفخ أطبق عنقي فتمنطقت بالعناد ودعوات أمي وابتسامة رجل الجوازات، كانوا أكثر صلابة فاصطدمت بجدران الزنزانة، عندما نفحت الشرطي في الليلة الرابعة عشرة دولارات أحضر لي ما أريد بالأربعين الباقية وعندما نهضت بداخلي شياطين الخمرة الرديئة بدأت بالتظلم والصراخ ومن ثم السباب، حمل ملف التحقيق أن السباب طال رأس الدولة ومر بطارق بن زياد وانتهى بالشرطي الذي جلب لي الخمرة، ظل القاضي مستغرباً إصراري بأني صنعت الخمرة من بقايا الخبز فطوقني بسنتي سجن، ابتسمت له بأعصاب باردة وابتسامة بلهاء لأني أعرف أين سأكون.

ودخل السجن معي فتيان، كان الأول فناناً، مرهف الحس والآخر سياسي لا يهادن، لم يستأنسا بوجودي كمزور واعتبروني إهانة من السلطة تضاف، الأيام والعربية الفصحى جعلتنا أصدقاء فأحبوا وطني أكثر فأحببت الفن والسياسة، اتفقنا ألا نتذمر أو نشكو رغم صغر المكان فتناوبنا النوم بأريحية، تمنى الفنان علبة ألوان وفرشاة ولما كان للدولار هيبة مصلح واستماتة مقاتل وضعتها أمامه فبدأ يرسم على أحد الجدران غابة، كانت غابة حقيقية فالأشجار تهتز والحيوانات تتنقل من جانب لآخر بحرية، جدول الماء يترقرق أمامي، غسلت وجهي وشربت، جلس السياسي أمام الغابة متصوفا يتمتم بكلمات لم أفهم منها سوى كلمة “شعوب” و”سلام” ثم أمسك بنا وأدخلنا عالماً لم أألفه رغم براحته لحد الآن!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.