اللوحة: الفنان الايطالي أوجينيو زامبيغي
محمد محمود غدية

وجهها في لون سنابل القمح، عيناها فيهما بريق دافئ مضيء وباهر، لا يصمد أمام بريقهما أعتى الجبابرة، روحها لا تعرف الذبول، نبيلة وطيبة وأصيلة، تتهادى بكل أناقة على أوتار المساء، عطرها ينتشر في الأجواء، تعيد ترتيب طاولة الفرح، للفارس القادم تنتظره بباقات الورد، وتغزل له أثواب الصباح، طراوة روحها تحميها من الصدمات المفاجئة، المدهش أن هذا العالم بكل ما فيه من مشكلات وانقسامات وحروب، يظل جميلا في عينيها، كن جميلا ترى الوجود جميلا، وأبدا لا يغيب وجهها الغارق في الصفاء، ترقب السفن وحلمها البعيد، تبتسم لجرأة الحب الذى اقتحم قلاعها الحصينة، وأطلق سهامه نحوها، وخدش مرآة قلبها الذى يعيش على ضفاف الوداعة، حبيبها أجهده الطيران في ليل الرماد الطويل، ترى في أى البلاد أفرغ حقائب الشجن ؟
مئات الحشرات الصغيرة تفترس روحها اللينة، جسدها الغض يوشك أن يغادر هيكله، العازف العجوز غير المبصر وآلته ممزقة الأوتار، مازال يعزف موسيقا الرحيل والغياب، يحمل الشموع الموقدة في يده، حين سألوه ما حاجته للنور وهو غير المبصر، أجاب: هى للمبصرين حتى لا يصطدموا بعجوز مثلى فاقد للبصر .
كتبت للغريب منذ سنوات بعيدة أن يعود، وهى المشوقة إليه شوق الظمآن للماء، ضل ساعي البريد العنوان، حين طال الغياب وتمدد الوجع، ارتدت حبيبته أوشحة الرحيل التي في لون الثلج وغابت، تتعاقب الفصول وتطوى السنوات، ويعود الغريب بعد أن كسرته الغربة وشح منه البصر، الغريب رغم اصطدامه المتكرر بعازف الجيتار العجوز لا يراه، والعجوز أنكر معرفته بالغريب، رغم صداقتهما والجوار.
الصياد والبحر
ألقى صنارته في النهر، بعد تأكده من وجود الطعم بها، جلس يتأمل النهر في هدوء تام وسكون، المخلاة جواره فارغة في انتظار الصيد الوفير، من أسماك البوري والبلطي وما يجود به النهر، تحسبه للوهلة الأولى صياد ماهر، دون أن تدرك أنها المرة الأولى، التي أشار عليه بها أحد الأصدقاء بعد فشله في زحزحة الهم ومحاولة لتطهير الروح من العفن العالق بها، الصنارة لا تحتال عليه بالكذب فهي تارة تأتيه فارغة، وفى أخرى تأتيه بالخير.
وحدها الطبيعة تزهو وتزهر بعد العواصف، بينما يتهدم الإنسان ويسقط، أشرقت الشمس من وراء السحب، وبادلت الصياد الضياء والابتسام، لا يدرى هو من اختار النهر أم النهر الذى اختاره ليسمع حكاياته، ويمنحه الحب الذى افتقده، لا يرى غير جفاف الأشياء حوله، حكاياته شتائية الطقوس لا يعتذر عنها الألم بداخله له ضجيج يطحن عظام الصمت، يحكى عن امرأة تسير في بهو الروح، يرتاح على أعتاب أهدابها، تعيش الطيور على مطر ابتسامتها، في عينيها قدرة مدهشة في التأثير على محدثها، ومحاصرته وتهيئته للتسليم بما تريد تريد الحب دون انتقاص.
خرجت من صدره آه مجروحة، ارتعد لها النهر، يكمل الحكاية، بينما يعبران الطريق تحت الشمس التي مست شغاف قلبهما، انكسر الحلم مثل زهرة هجرها المطر وندى الصبح، أضحى كل منهما مدينة غابرة، تسكنها الأشباح، أمسك به الليل الضوء في عينيه شحيحا كمخلاته الفارغة، تستفيق روحه من غشاوة الرؤى وتسرى نسمة خفيفة تتسلل إلى رئتيه، حين أبصر كف النهر الممتدة نحوه، مثل يد أم حنون بولدها، لأول مرة يرى الليل رائقا وشفافا وصافيا، يشرب أشعة القمر ويرتوى بالضوء، طارحا على كتفيه الصنارة ومخلاته الفارغة، مودعا النهر بعد رواء شجر روحه، وتخفف أحماله التي حملها عنه النهر،
تتبعه آلاف النجمات وأغاريد المساء الحالمة.