هيلانة والتاريخ

هيلانة والتاريخ

اللوحة: الفنان الأميركي ستانتون ماكدونالد رايت

فواز خيّو

ما هو لك سيأتيك مهما ظهر من عراقيل، وما ليس لك لن يكون لك، وإن جاءك ووضعته في صندوقك سيذهب لأنه ليس لك.. الباب الذي لا ينفتح لك لا تحاول خلعه، فهو ليس لك، والدليل أنك تجد من هو أضعف أو أقل منك وينفتح له أو معه. 

لا أحكي من منطلق ديني أو قدري، إنما من خلال قوانين طاقة إلهية تشتغل وبشكل أوتماتيكي. 

ما أنت عليه هو حصيلة أفكارك ونواياك. ما تزرع تحصد. 

….

في مطلع عام 1995 تعرّفتُ على هيلانة نصر، وكلانا ارتاح للآخر فارتبطنا وتزوّجنا. 

إنسانة جميلة طيبة، وأهلها طيبون، أبوها معلم قديم شيوعي ينتمي لأحد أحزان الجبهة، لكنه تلقى العلاج وشفي. 

سكنّا سنة في جرمانا ثم انتقلنا إلى صحنايا، فالمعظميّة حين اشتغلت في الكهرباء، وفي عام 1996 رُزقنا بسرجون. 

أكثر من مرة أجهضنا لأننا في وضع اقتصادي لا يسمح بمجيء أطفال، ولا نمتلك بيتا.

ثماني مرات نقلنا من بيت إلى بيت، وترفض هيلانة ان نُحضر عاملا، فالتحميل والتنزيل على أكتافنا. 

وحين ذهبنا لنجهض سرجون وهو جنين في الشهر الثالث أو الرابع، قال لنا الطبيب بعد فحص الإيكو: الجنين قوي ومتشبث بشكل قوي بالرحم، حرام أن تجهضوا، اتكلوا على الله، فاتكلنا. 

كما أن رزقك مقسوم فأبناؤك مقسومون. هكذا أرى الأمور وهكذا تؤكد لي الأحداث قبل أن أدخل علم الطاقة الحيوية،  أنت لا تخسر شيئا ولا تربح شيئا.

….

أنت محطة بث دائمة من الأفكار والنوايا والتصوّرات، تماما مثل الرادار وهذا الكون مرآة هائلة تردّ إليك كل ما يصدر عنّك، فحاول أن تُصدر كل ما هو جميل من فكر ونوايا وأمنية وحب للناس، ليرتد إليك جميلا. 

حين يقول تعالى في القرآن الكريم: «من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرّا يره». وحين يقول الرسول الكريم: «تفاءلوا بالخير تجدوه»، وحين يقول الإمام علي: «كما تكونوا يولّى عليكم»، وحين يقول السيد المسيح «أحبّوا أعداءكم»، لأن الحب سيرتد إليكم والكره أيضا، على شكل طاقات إيجابية للحب وسلبية مدمّرة للكره، كل هذه الأقوال وما شابهها هي قوانين حياة، قوانين طاقة. 

كل المحطات الرئيسية في حياتك مرسومة، وكل الذين يلعبون دورا رئيسيا في حياتك من حب أو زواج او صداقة كبرى أو شراكة كبرى، كلهم مرسلون إليك إما مكافأة أو عقوبة، ليبلغوك رسالة أو يتبلّغوا منك رسالة.، فقط أنت مسؤول عن قضاياك وأمورك اليومية، فأحسنها، فهذا يخفّف الكارما (العقوبة أو الفاتورة).. أحيانا تُسدي معروفا لشخص ثم تكتشف أنه لا يستحق ولا يُقدّر فتندم. وتفاجأ بعد مدة بخير يأتيك من شخص لا تتوقعه.. تفسيري أنك زرعت بذرة في تربة غير صالحة، فالبذرة سرت تحت الأرض ونبتت في حقل أصلح. بذرة الخير لا تموت. إياك أن تندم على فعل الخير حتى لو كان مع مجرم.. كن دائما محبّا وفاعلا للخير، وسترى كيف تأتيك الحماية من كل الحوادث، ويأتيك الخير، إلا ما كان مرسوما ككارما كبيرة لا بد منها.

وحين يدعو أحد عليك بدعوة شريرة وتنفذ فأنت تلقائيا تقول: لقد سمع الله دعوته واستجاب له، وقد تقول إنه من أهل ألله. هذا خطأ فادح، فدعوته طاقة سلبية سوداء شريرة توجهت نحوك وتلبستك وأربكتك، فاخترقت طاقتك وخلخلتها فسببت لك حادثا في سيارة أو مشكلة. هذا هو التفسير وإن الله سبحانه لا يفتح مكتبا لتلقي الدعوات من أناس شريرين. 

…. 

كان مرسوما أن أتزوج هيلانة. تصغرني ب14 عاما. كانت في العشرين وأنا في الرابعة والثلاثين.. أي جحيم وأي مستودع من الحزن يجعل شخصا في مثل سني يكتب وقتها: تزوّجتُ انسانة مًقبلة على الحياة، وأنا عائد منها؟

كانت قد حصلتْ على الكالوريا فقط، و كانت قد اتبعتْ دورة حلاقة نسائية وتجميل.. كنتُ بحاجة لخبيرة تجميل لعلها تجّمل ما بقي مني، وتُشذب همجيّتي.. بعد شهر من زواجنا حلقتْ لي شعري، قال لي الشباب: حلقتلكْ؟ قلت: لا، تخفيف. 

….. 

جعلتُها تعيد البكالوريا، وطالما أن الدولة تعرف رغباتنا أكثر منّا وهي الحريصة على مستقبلنا أكثر منّا، فقد اختارت لها في المفاضلة دراسة التاريخ.. كانت فرصة لي ان أقرأ في كتبها أكثر منها، حتى أنها قالت لي مازحة: طالما أنك تقرأ في الكتاب أكثر مني اذهب وقدّم المادة عني.

حين كنا نقرأ في مناهج التاريخ في المراحل الأولى كنا نتمنى لو عشنا في عصر الخليفة. دائما الخليفة رمز العدل والمحبة، وحوله الشعراء ينتقدوه بكل أمان ويستقبل النقد برحابة صدر. وحين وعينا وقرأنا من مصادر غير مدرسية أدركنا الويل، معظم الخلفاء صعدوا إلى العرش على درج من الجماجم، وأبادوا نسل من سبقهم في العرش. معظمهم يحكم باسم الدين وقصوره مليئة بالخمر والجواري، وما سمي فتوحات كان ظاهرها نشر الدين وباطنها الغنائم والسبي والجزية، وكم قهروا. 

فقط الخليفة العظيم عمرو بن عبد العزيز الذي حكم بالإسلام ومشّى الدين الحقيقي وعدالته وتسامحه سنتين ونصف، حتى أنهم في لحظة لم يجدوا فقيرا يعطوه من بيت مال المسلمين، حتى أنهم نثروا القمح على التلال كي لا يُقال أن الطير جاعت في عهده. مات قتلا، فلم يدعوه يستمر في الحكم.. فرق شاسع بين أن تحكم بالإسلام وأن تحكم باسم الإسلام. 

حين كان الحجاج يسبح في نهر الفرات سحبه الموج وكاد أن يغرق، فرآه أحد السباحين وسارع إليه وأنقذه وأوصله إلى اليابسة، فقال له الحجاج: أطلب. سأله من أنت لأطلب؟ فقال له: أنا الحجاج، فقال له السبّاح: أطلب ألّا تُخبر أحدا بأني أنا الذي أنقذتك. 

ومرة أحد الولاة يخطب على المنبر قائلا: لقد انتشر الطاعون في كل مكان إلا عندنا، فقد نجّانا الله منه. فقال له أحد المصلين: إن الله رحيم فلن يقدّر أن يجتمع علينا أنت والطاعون.. وكم قرأنا عن هارون الرشيد وابنيه الأمين والمأمون وأنهما كانا يتسابقان لإحضار حذاء مؤدبهما الأصمعي، وروايات سخيفة أن الأصمعي ضرب المأمون ظلما وحين استلم المأمون الخلافة استدعاه وسأله: لماذا ضربتني ظلما حين كنت تعلّمني؟ فقال له: كي تتذكر قسوة الظلم ولا تظلم أحدا من رعيتك. 

ياه لهذه الرومانسية، لقد قتل المأمون والأمين بعضهما بأبشع ما تشهده الخصومة والعداوة حتى بين الأعداء، فكيف بين الأخوة، وعليه: لو أن الأصمعي فعلا ضرب المأمون لكان انسحل هو وعائلته ونسله كلهم. 

وخطبة طارق بن زياد الشهيرة لعسكره على أبواب الأندلس: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وطارق بن زياد أمازيغي لا يتكلم العربية، وطارق وموسى بن نصير بعد كل الأمجاد التي حققاها للخلافة ماتا متسوّلين في شوارع دمشق.. تاريخ يغصّ بالدم والفضائح وجزّ الرؤوس وغبره.

لقد برع المدوّنون في أكبر عملية تزويروتلفيق وافتعال للكثير من الأحداث التاريخية، إمّا بدافع تملق الخليفة والنظام القائم، أو لتجميل حقبة الفتوحات بكل ما رافقها.. حتى فترة ما قبل الإسلام والتي أصرّ بعض غلاة المسلمين على وصمها بالجاهلية، ليبرزوا أثر الإسلام.. الحقبة التي شهدت وقدمت عبقريات كبيرة مثل امرئ القيس وطرفة والنابغة وعمرو بن كلثوم وزهير وحكمته، هذه ليست جاهلية، وقد قال الرسول الكريم: إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق. أي كان هناك قيم وأخلاق وجاء الرسول ليتممها، وأكبر حرب نشبت في ما يسمى بالجاهلية استمرت سبعين عاما، لكن منذ 1500 سنة ما زال الدم يتدفق ولم تضع حرب أتباع معاوية والإمام علي أوزارها بعد. 

طالبتً مرارا بأن تتشكل لجان من علماء في التاريخ والدين، لإجراء مراجعة حقيقية دقيقة لإرثنا التاريخي والإسلامي، لتقديمه للناس والطلبة على حقيقته.. لا يمكن لأمة أن تعيش الحاضر بفعالية، وتصنع المستقبل الحقيقي، إذا لم تتصالح مع نفسها وماضيها.. لننتزع تاريخنا وحاضرنا وديننا من أيدى الضلاليين الذين شوهوا كل شيء.. مئات معاهد تحفيظ القرآن، وليس من معهد لشرح القرآن وتفسيره وإفهامه للطلبة.. كيف سيستطيعون نشر مشروعهم دون قطيع ببغاوي يسمع ويطيع؟

رغم هذا أنهت هيلانة دراسة التاريخ. 


رمت جمرة في أعماقي ومضت

من رواية «تقرير إلى غودو» (تحت الطبع) للكاتب السوري فواز خيّو

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.