كنز الاختلاف

كنز الاختلاف

اللوحة: الفنان الإسباني بابلو بيكاسو 

كتب “جون لوك” الفيلسوف الإنجليزي كتاب “محاولات في الفهم البشري تحدث فيه عنْ أنَّ العقل صفحة بيضاء، تقوم التجربة بالنقش فيه، فلا وجود فطري لشيء في العقل.

قرأ الفيلسوف الألماني الشهير “ليبنتز” الكتاب؛ وكتب نقدا في ورقات، أرسلها إلى “جون لوك” مع صديق كان مسافرا إلى إنجلترا، فلم يرد جون لوك على رسالته، فأرسل ليبنتز له رسالة تالية مع صديق آخر؛ مسافر من ألمانيا لإنجلترا، فرد عليه جون لوك بورقة مكتوب فيها: «نحن الإنجليز في راحة تامة مع جيراننا الألمان، فهم لا يَفهمون ما نكتب، ونحن لا نقرأ ما يكتبون» وقد كان جون لوك يجهل قدر ليبنتز كفيلسوف نابغة.

ثار ليبنتز بشدة لتلك الإهانة، فكتب كتابا بعنوان: “ محاولات جديدة في الفهم البشري، تخيل فيها حوارا بينه وبين جون لوك، كتب كل فقرة في كتاب “لوك” ورد عليها بفقرة من عنده ينقدها، ثم عندما همَّ بنشر هذا الكتاب؛ علم أن “جون لوك” توفي، فكان موقفه نبيلا؛ فلم ينشر الكتاب؛ ووضعه في مكتبته إلى أنْ توفي “ليبنتز”، ونشر الكتاب بعد وفاته بخمسين عاما، ليكون أكبر معركة فكرية في نظرية العقل؛ وأثمن كتاب في تحليل نظرية المعرفة.وهكذا كان نتاج الإهانة من جون لوك إلى ليبنتز؛ أنْ خرج كتاب يُعتبر مَرجعا استثنائيا، في تاريخ الفكر.

في هذه القصص، نجد أنَّ الخلاف والغِيرة والأنا والكِبر؛ ساروا مسارا طبيعيا بين العمالقة من زعماء أوربا، وكان لهذا التنافس والتباغض، أثرا في إثراء النهضة الأوربية، أما نحن العرب؛ كما يقول عادل إمام ناس طيبين قوي”.


في فرنسا وقبل الثورة الفرنسية، كان “روسو” شابا شديد الذكاء، تقدم لمسابقة أعلنت عنها جريدة شهيرة؛ المطلوب الإجابة عن سؤال: ما أصل التفاوت بين البشر؟ تقدم روسو للمسابقة وفاز بها، وكان خلاصة الإجابة هي فكرة جديدة سوف تصبح فلسفة فيما بعد، حيث ذكر فيها مصطلح “التربية السلبية، يقول:  “كي تنشئ إنسانا صالحا ينبغي ترك الحرية للطبيعة الجسدية والنفسية فتنمو بتلقائية دون تدخل الكبار وتقييدهم” وقال: إن الكائن البشري، هو الوحيد من الكائنات الحيوانية التي يتميز بالغباء لأنه استعمل عقله، بينما الحيوان؛ كان من النضج بحيث تخلى عن دماغه لكي يعيش كما ينبغي، فالإنسان استعمل عقله فأعاق نموه الطبيعي”  
بعد فوز روسو بالمسابقة، تجرَّأ وطرق باب بيت الفيلسوف الشهير “فولتير، أعطاه الأوراق التي تحتوي إجابته الفائزة في المسابقة، وطلب تعليقه عليها، لم يرد “فولتير” سريعا، ولكن في آخر الأمر؛ كان لا بد أن يُخبر الشاب؛ بعدم رضاه عن فكرته، فكتب له ورقة قال فيها تعليقه الآتي: “يشتهي المرء عندما ينتهي من كتابك أنْ يمشي على أربع قوائم، لم يستعمل أحد عقله كما استعملته أنت من أجل أنْ تجعلنا شبيهين بالبهائم. 

ومن تلك النقطة؛ كان العداء الشديد بين روسو وفولتير، وهما اللذان كانا إلهاما للثورة الفرنسية، فقد كانت حرارة المشاعر العنيفة بينهما وقودا لنضج أفكار تسببت في تغيير فرنسا والقارة الأوربية والعالم.

والسؤال الذي يدور بخاطري هو: هؤلاء الناس أنتج الخلاف والمنافسة والغيرة بينهم خيرا وفيرا من الأفكار التي تسير عليها الحضارة الأوربية والعالم إلى اليوم، لماذا لم يثمر خلافنا وتوافقنا أي ثمرة حتى اليوم؟  نحن نختلف ونتفق فينتج في كلتا الحالتين ثمرات معطوبة من الكوارث، وهم يختلفوا ويتفقوا فينتجوا ثمرات ناجحة وناضجة، لماذا؟ 

سؤال يحتاج دراسات عميقة وصَبورة ومخلصة وخبيرة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.