حلم إغريقي

حلم إغريقي

اللوحة: الفنان الإيطالي ساندرو بوتيتشيلي 

سليم الشيخلي

ظهيرة شمس الثانية وفراشات فوق أوراق المياه، روائح قوارب الصيادين العتيقة تعبق المكان، والقرية تسند ظهرها حضن الجبل، وتمد نهديها للبحر ناثرة جدائلها عطر نيسان. هبت نسمة شمال أحسست قشعريرة، اتكأت السياج ومددت بصري الأفق المتراقص، هسهس العشب قلت أرنباً، لكن عطراً أيقظ شهوة الإبحار، التفتت برشاقة، لسعتني الشمس لأغمض عيني بسرعة، وببطء حذر بدأت اشرعهما مستظلاً بجسد فتاة بوجه أسطوري وأنفاس كقصيدة غابات الصنوبر. ابتسمت لتنطلق (هلا) عصافيراً ملونة متجاوزاً خجلي:

  • أين تقيمين؟
  • وصلت تواً وسأبحث عن نزل.

جمعت ما املك من قوة لأسألها أن تقبل ضيافتي. هزت شعرها قيثارة غجرية 

  • وهل تسكن هنا؟
  • خلف هذا الجبل.

أخذت تفكر. نظرت البحر، جاء جدي هارون الرشيد يسير على الماء بموكبه، الجواري يحملن البخور وغيمة شفافة تحيط به.

  • كم يستغرق الوقت للوصول إليه؟
  • خمسة عشر دقيقة.
  • هلم بنا قبل أن تغرب الشمس.

أبدت السيارة كرمها فتذكرت الطريق بدلاً عني للمنزل الذي استأجرته وسط الغابة. أضأت الأنوار، أرشدتها الطابق العلوي لتأخذ قسطاً من الراحة وحماماً دافئاً، نزلت أسرج طاقتي لأعد وجبة شرقية تليق بأنثى. زرعت المائدة شمعة برائحة الياسمين وزجاجة نبيذ فرنسية. كنت ناياً يحرك الليل والغابة فاهتزت الأشجار بعباءتها السوداء.

وحيداً مع امرأة لا اعرف اسمها ومن أين؟ إنها لضربة حظ هطلت عليً امتداداً لأجدادي وفتوحاتهم العظيمة، سأسطر اسمي جنبهم، فارساً من بلد الحكمة والتوابل واللغة الحبلى بالكلمات، أيقظني قرع خطوها فوقي تقترب من السلم، قفزت كسرب قطاة أسكره العنوان، مرح يأخذني حدائق النور، تسمرت عيناي على السلم انتظر طلة راقصة باليه. عند الدرجة السادسة بدت جسداً مغطى بقطعة شفافة من حرير أبيض وإكليل ورد يتوج شعرها، نجوم تتلألأ في غابة وجد خلف المتوقع، شمعة بيضاء في يدها اليمنى ترسم فوق الأسطورة لحناً صوفياً. اقتربت من الود مساحة تسمح للموجة أن تشق دربها بعفوية ويدها اليسرى عند الخاصرة. نظرت كلها فمسني خوف أتلف حلمي فتسمرت تمثالاً من خشب الأبنوس. كانت تحمل جمجمة عتيقة، تقدمت نحوي فتراجعت ببطء حتى منتصف القاعة، تراخت عضلاتي وبدأت أشياء عديدة تتساقط من رأسي، حاولت أن أستدير.. لم أستطع. تقدمت نحوي ببطء شديد وقطرات العرق تبللني، بدأ الرداء الأبيض يصطبغ بالأحمر النابع من عيون الجمجمة، اصفقت ابوابي. ثقل رأسي، فلم تعد دهشتي تتحمله. أحسست بفوهة دائرية تحتي، وبدأت أغوص في باطن الأرض.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.