اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس
د. حمدي سليمان

المشاركة الشعبية كانت حجر الزاوية في مسرحية «باب الفتوح» للكاتب محمود دياب، وكل تصعيد في النص يثبت أن الفكرة الرئيسية للكاتب هى احترام هذه المشاركة، وتحفيزها ووضعها في المقدمة، مهما كانت الصعاب، واستلهام التاريخ لتوصيل الفكرة كان ضروريا، وموظفا توظيفا جيدا في النص، خاصة وأنه كان يعرض احداثا مشابه لصراع الواقع المعاصر للنص، وهو الصراع على أرض فلسطين، وتتضح رؤية محمود دياب من اليهود كما تتضح من الصليبين فهو يؤكد في النص (أن الفتوح لا تستمر إلا إذا مرت على أجسادكم)، والكلام هنا موجه إلى سيمون الفتاة اليهودية في النص، وهم أيضا العاهرات الذين دنسوا القدس كما جاء على لسان أسامة، وهنا يتضح الإسقاط التاريخي الذى حاول من خلاله محمود دياب أن يعبر عن رؤيته وأفكاره التي لخصها في نهاية النص وعلى لسان أبطاله. “ما من شيء يدفع عبدا أن يستشهد. يصون الحرية للأسياد أن يحمى أرضا لا يملك فيها شبرا.. أن يحفظ عينا لا يعطى منها جرعة ماء. أن يمنح دمه لتحيا بلاده” الجميع: لو أنا أعتقنا الناس جمعيا.. ومنحنا كلا منهم شبرا في الأرض. وأزلنا أسباب الخوف لحجبنا الشمس إذا شئنا. جنود يسعون إلى الموت ليذودوا عن أشياء امتلكوها. واكتشفوا كل معانيها. الحرية – شبر الأرض وماء النبع قبر الجد وأمل الغد. وضحكة طفل يلهو في ظل البيت وذكرى حب وقبة جامع أدوا يوما فيه صلاة الفجر بأوجز كلمة عظمة أمة.
بهذه النهاية يؤكد محمود دياب أن الحرية أن أردت امتلاكها لابد أن تلتف وتتحصن بالناس وأحلامهم، لابد أن تحمل أفكارا تعبر عنهم وأن تكون منهم، فبطولات وانتصارات صلاح الدين الأيوبي لم تدم لكونها كانت انتصارات عسكرية في مواقع بعينها، ولم تكن انتصارات شعبية لتستمر وتدوم وتستغل لخدمة الأجيال التالية للحدث، فهذه الانتصارات العظيمة لصلاح الدين لم تكن هدفا في حد ذاتها لمحمود دياب، وإنما ما أراده من خلال نصه هو تواصل الشعبي بالسلطوي، وتوحد الاثنين من أجل حياة حقيقية لكل أفراد المجتمع، ومن أجل انتصارات تدوم فاعليتها على مر التاريخ، ولكن يظل التاريخ كما يقول الشاب الرابع في النص أن التاريخ وهو ينافق السادة تجاهل عن عمد الثوار فالثوار هم في العادة ضد السادة.
وصلاح الدين كان يحمل سيفا ولكنه لم يحمل فكرا، والثورة فكر أولا، لذلك فلم يكن غريبا أن ماتت انتصاراته بعده، بل منها ما انتهى في حياته فلو كان قد حمل مع سيفه فكرا، لكنا في أغلب الظن قد ورثنا انتصاراته. ويقول أسامة أن الواقع قبل النظرية والحياة قبل الفكر، عندما عجز أن يحل مشكلة أبو الفضل الذى ضاع بيته وتبدد حلمه.
لقد كان محمود دياب هذا الفنان المهموم بقضايا مجتمعه يعي تماما أهمية المشاركة الشعبية في القرارات والسياسات حتى تكون المسئولية مشتركة، وأن أي نصر مهما كانت قيمته لا بد له من مردود شعبي، وذلك لضمان استمراريته واستثماره، محمود دياب يعطى الناصر صلاح الدين حقه من البطولة في الحروب والدهاء العسكري، ولكنه يأخذ عليه عدم وجود سند فكرى لسياساته، فهو يريد أن يمزج بين سيف صلاح الدين العظيم وبين الأفكار الإنسانية النبيلة، التي تخدم في المقام الأول أصحاب المصالح الحقيقية، وهم الشعوب، وفي ذلك رسالة ضمنية للقيادة السياسة في مصر آنذاك.
دياب وأستشراف المستقبل
وجدير بالذكر أن باب الفتوح تم عرضها في 2015 على مسرح السلام، برؤية إخراجية جديدة للمخرج هاني مطاوع الذى قدمها قبل 35 عاماً من هذا التاريخ، بطلاب جامعة عين شمس، الذين أصبحوا بعد ذلك نجوما أثروا حياتنا الفنية ولا زالوا ومنهم: الفنان محمود حميدة، وأحمد عبدالعزيز، وفاروق الفيشاوي، وسامى مغاوري، وحينما سؤل هاني مطاوع عن إعادة اخرج هذا النص قال: أن محمود دياب قد تنبأ في هذا النص بما يحدث الآن في مصر والوطن العربي، مع اختلاف الدلالة من مواجهة الحملات الصليبية في الماضي، إلى مواجهة مد الإرهاب باسم الدين الذى يضرب الشعوب والدول العربية الآن، حيث اعتبر أن الجماعات المتطرفة أكثر خطورة على الوطن من الغزو الصليبي، لأننا أصبحنا هدفاً للهجوم الأمريكي، بعد صناعتهم لداعش ورعاية التنظيمات الإرهابية، وقد تم تغيير بعض مصطلحات النص الذى كتبه محمود دياب، ليحاكي الفترة التي نعيشها الآن، فقد تم استبدال “الصليبيين”، بـ “الأعداء”، ويحمل النص في طياته رداً على ما تفعله إيران، وتركيا، وقطر، في حق مصر. وربما لذك كان احتفائنا بهذا النص الذي أعتبرناه نموذجا لكتابة ومشروع محمود دياب ورؤيته المستقبلية، رغم كون روايته ” أحزان مدينة، طفل في الحي العربي” هى الأقرب لفكرة هذا الكتاب ككل، ولكننا قد رأينا أن مشروع دياب الأهم هو المسرح، وأن عالم الرواية لا يختلف كثيرا عما سردناه في الفلص الأول من هذا الكتاب، وهو عالم الإسماعيلية فترة الثلاثينات والأربعينات، لذا كان إختيارنا لنص باب الفتوح المسرحي.
جدلية المبدع والسلطة
وختاما تبقي جدلية المبدع والسلطة هي القضية الأهم في حياة الكثير من المفكرين والمبدعين، خاصة المشتبك منهم، أصاحب الإنحيازات الاجتماعية والوطنية الواضحة والمواقف الجريئة، التي تغضب السلطة وتكلف الشخص منهم التعرض للتهميش والتنكيل والاعتقال وربما للموت كمدا، وكاتبنا الكبير محمود دياب كان واحد من هؤلاء المشتبكين دوما مع الواقع، إلا أن الإتزان النفسي الذي بدأ به حياته لعب دورا كبيرا في صناعة هذا المبدع المثقف ؛ فدياب لم يقفز بين الأيديولوجيات جراء صدماته الفكرية المبكرة والمفارقات التي أحاطت به وبجيله كله وأدت إلى تشوهات عميقة في أبنائه، انتهت بالبعض منهم على موائد الأنظمة؛ وإنما نجح في استيعاب الفكر ونقده والخروج برؤاه الخاصة التي استمدت من الفلسفة والتاريخ والقانون القصص والعبر والمواقف، وسعت لتحرير ما تصدت له، وذلك من منطلق كونها كتابة تاريخية قام بها أفراد يأخذ منهم ويرد، لا بوصفها ايقونات مقدسة لا يجب المساس بها أو مجادلتها أو حتى الوقوف على مغالطاتها التاريخية وفق الوثائق والشواهد والمراجع التاريخية المحلية والعالمية، وربما لا يغفل البعض أن العديد من كتاب السلطة على مر العصور عملوا بكل جهدهم على محو الذاكرة الجماعية، وأغفال الجوانب الاجتماعية والانسانية وتقزيم دور الشعوب، وتزييف للذاكرة الوطنية، وحذف آلاف الوقائع من التاريخ الاجتماعي، متجاهلين عن عمد تاريخ من التضحيات والبطولات لشعوب عديدة وحضارات مختلفة، لذا كان دياب صاحب القلم الجريء يبتغى من وراء ذلك توعية الواقع وتحريره من هذا التراكم المغلوط والمعطل لاستنهاض الهمم، والانطلاق نحو مستقبل أفضل يقوم على المكاشفة والعلم والحرية، وفي الختام يمكنك عزيزي القاريء أن تستنتج معنا أن الحياة القصيرة التي عاشها محمود دياب ابن مدينة الإسماعيلية “1932- 1983″، ذلك الاسم الكبير في المسرح المصري والعربي المعاصر، الذي خرج من مدينته متمردا على صمت البحيرة، ومستغربا مما يمارس في حي المداخن من بغاء في وضح النهار، وفي حيهم ليلا، ومن الأشكال والألوان والأجناس البشرية الأجنبية التي ترتع بغطرسة في مدينته المقهورة، التي لا تملك من إرادتها شيئا، تلك كانت المدينة التي حدثنا عنها محمود دياب في روايته البديعة ” أحزان مدينة، طفل في الحي العربي”، لذا خرج متحديا كافة الظروف، ومضحيا بوظيفته المرموقة، من أجل حلم التعبير عن بسطاء هذا الوطن، واضعا نصب عينيه قضاياهم وهمومهم التي جسدها من خلال أعماله المسرحية والروائية، حتى صار مبدعا من طراز فريد، فقد كانت حياته أشبه بحياة نحلة رشيقة صاخبة تتنقل بخفة وكبرياء ووعي في حدائق التجارب المسرحية والأدبية، تستمد من التاريخ القصص والعبر والمواقف، لتصيغ رحيقا يحمل بصمات القلم الجرئ المتمرد الممتزج بأحكام ورؤية القاضي القاطعة عندما يعلن الحق والعدل بسيف الأديب، حياة أنتجت لنا عشرات النصوص التي تنطق بالبلاغة وفصاحة التعبير وعمق الدلالة، تحمل معانى وأفكار وانحيازات إنسانية، ولغة متدفقة قوية واثقة تصل في سهولة الريح إلى العقول وتمس الوجدان، كما إنها حريصة على أن تستشرف المستقبل لتنير الطريق أمام جيل جديد يعي دوره في بيئته وواقعه. ومع كل هذا الإنتاج المميز والفارق الذي قدمه محمود دياب فلم ينل ما يستحقه من اهتمام الحركة النقدية بأعماله التي قدمت في القاهرة والأقاليم والأقطار العربية، ولاقت إعجاب المتفرجين من كل الطبقات.