اللوحة: الفنانة اليابانية شيهيرو ناكاهارا
فواز خيّو

كانت زاويتي في الصحيفة لصالح الناس والبلد، ووظفتُ وخدمتُ أناسا كثيرين، وذات مرة كتبت عن وزارة التموين في قضية مخزية، أنها تحرّض وزارة المالية على تحصيل مبالغ من مؤسسة تابعة لها وهي مؤسسة الخضار والفواكه بكتاب رسمي من الوزير، بسبب خلاف بين الوزير ومدير المؤسسة. يا للفضيحة، وزير يحرّض على مؤسسة تابعة له بدلا من الدفاع عنها؟
كتبتُ زاوية حادة وفوجئت مؤسسة الخضار بزاويتي وموقفي إلى جانبهم، مع أني لا أعرفهم ولم يرسلوا الشكوى إليّ. فشكرني مديرها العام ودعاني لزيارته فزرته وأحاطني بكل الشكر والاحترام ومضيت.
ما أفلس وزاراتنا ومؤسساتنا، أن القائمين عليها يعتبرونها مُلْكا لهم ولأسرهم، ويستمرون ما داموا يحظون بدعم المسؤولين الأقوياء، فلا حاجة لوضع خطط ولا برامج انتاج ولا من يحزنون.
ثلاث سنوات لم أستطع توظيف هيلانة بسبب وضع المؤسسات وتضخم عدد الموظفين فيها. حين أسعى بخصوص قضية للناس فإنها تتيسّر فورا وتضبط، لكن عندما أسعى في قضية لنا أكون مترددا ومرتبكا وحتى خجولا، مخافة أن تُفسّر على أنها استغلال لوضعي الصحفي، ورغم نفوذي يخلق ألف سبب ليعرقلها.
قالت لي هيلانة: ألم تخدم في الماضي مؤسسة الخضار؟ اسألهم إذا عندهم توظيف.
أكون في غاية الضيق والحرج حين أحتاج قضية من شخص أديت له خدمة، ولكن ما شفع لي هنا أنه مرّت سنوات. اتصلت بالمدير فردّ مدير مكتبه ولم يكن موجودا، فرحّب بي بحرارة وأصرّ على معرفة غرضي، فقلت له: هل يوجد عندكم إمكانية توظيف؟ سأل: لمن؟ قلت لزوجتي. قال: إجلب أوراقها وتعال. قلت له: من عندك تقرر دون أن تسأل الأستاذ أحمد؟
قال: ألست فواز خيّو؟ قلت نعم، قال: أجلب أوراقها وتعال.
ثمة أناس طيبون لا ينسون أي معروف تجاههم مهما صغر، ومهما مرّ عليه من وقت. توظفتْ هيلانة، وأصبح راتبها يشكل دعما مقبولا.
بعد مدة سألني صديقي: كيف وظيفة زوجتك؟ قلت له مازحا: وظيفتها جيدة وباص الشغل يأخذها من أمام البيت في الصباح، لكن المشكلة أنه يعيدها عند الظهر.
وحين زارنا هذا الصديق أخبرها بما قلته عنها. ثم نقلتها لاحقا إلى مؤسسة الاتصالات
مساكن عدرا العمالية
أسستْ مدينة عدرا العمالية بالأصل كمجمّع مساكن لعمال معمل الإسمنت القريب منها، ثم توسعت وأصبحت مدينة جميلة منظمة بشوارعها وحدائقها. كانت البيوت تعطى للعمال كإيجار بعشر الراتب، فقررت أن أطلب بيتا من حصة الجريدة لعلنا نرتاح من التنقل الدائم، قابلتُ عزالدين ناصر عضو القيادة القطرية رئيس اتحاد العمال، وحين دخلت ُخيّل إلي أني سأحتاج لأركب ثلاثة سرفيسات كي أصل طاولته بسبب اتساع مكتبه.
كان يعيش حياة الأباطرة، ويقال إنه حين كان يذهب إلى منتجع اتحاد العمال في الديماس، وهو في السيارة يقدمون له الخفافة على صينية ويخلعون نعليه ويلبسونه إياها، وثمة من تُقلّم له أظافره، ومن تعمل له المساج.
كان الرجل المدني الأقوى بعد الرئيس، ذهبتُ إليه أربع مرات فوجدت خدام عنده في ثلاث منها، وفي الرابعة اتصل وأنا موجود، وخدام كان بُعبعا حتى على أعضاء القيادة القطرية، يبهدل الكبير والصغير.
للأمانة تعامل معي عز الدين ناصر باحترام، مع أن مداخلتي ضد عميد خولي كانت طازجة ولم تهدأ ضجّتها بعد، وعميد مقرّب جدا منه. طلبتُ بيتا فقال، انشا ءالله خيرا، ولا يمنع أن تمرّ وتشرب فنجان قهوة عند عميد خولي وتصفي الجو.
كان هو مُحرجا أن يعطيني بيتا لأن هذا سيغيض عميد خولي، وسيعتبر الأمر تحديّا له أو كسرا لخاطره على الأقل.
تردّدتُ مرتين على مكتبه وفي المرة الثالثة قال لي مدير مكتبه: يقول لك المعلم إن البيت جاهز، فقط مرّ اشرب فنجان قهوة عند الأستاذ عميد، انفجرت من الغضب وقلت كلاما حادا جدا وصفقت الباب ومضيت.
بعد وقت طويل أتساءل: أي تهوّر أن أتصرف بهذا الشكل في مكتب الرجل الثاني في البلد والذي يسهر عنده أعلى ضباط الجيش والمخابرات؟ وأي تهوّر أن أغامر ببيت يضمن لي الاستقرار مقابل أن أشرب فنجان قهوة عند رئيس التحرير؟
ذهبت إلى البيت أرتجف من الغضب. قالت لي هيلانة: روّحت البيت بهذه العصبية.
في صباح اليوم التالي أفاجأ باتصال من مكتب عزالدين ناصر، فذهبت وأعطوني مفتاح بيت في عدرا.
انتقلنا إلى عدرا عام 2000 ولأول مرة أحسسنا بالأمان لأننا سكنّا في بيت لا أحد سيطلب منّا تركه. كان سرجون في الخامسة من عمره، قلت له: يا بابا هذا البيت لك. وحين انزعج منّي ومن أمه قال لنا: خذوا اغراضكن وانزلوا للشارع.
كم تخرّبت أغراض البيت بسبب كثرة النقل. فقد صار بإمكاننا الآن أن نشتري غرضا ونطمئن بأنه سيبقى محله ولن يتخرّب، ونقلتُ هيلانة إلى مركز الهاتف في عدرا.
وحين قررت الدولة تمليك المساكن لساكنيها بالتقسيط، أرادت حكومة العطري جعلها صفقة لبعض مسؤوليها، فحددت الأسعار بضعف المبلغ المتوقع، وثارت ثائرة الناس ولم ينفعهم لا عرائض ولا اتحاد العمال وقيادة المحافظة ولا الحزب، فوجّهت رسالة حادة للرئيس عبر موقع (كلنا شركاء) الذي يتابعه، وفي نفس اليوم تم تحويل الموضوع للعطري لمعالجته، وتم تخفيض سعر البيوت بنسبة كبيرة، وهددني العطري علنا، وأبلغت الناطق الرئاسي الأستاذ فواز العامري وقتها، والذي كان كعادته مهذبا وطيبا، وطلبت منه ألا يُبلغ الرئيس بما حصل إلا إذا تعرضت لإجراء حقيقي.
هذا الأمر جعلني محبوبا من الجميع في عدرا، خاصة أني كنت أستقبل الكثيرين لأكتب عن مشاكلهم أو أحلها بالاتصالات مع مسؤولين.
وقتها صادفت المسؤول الحزبي أبو كرم في الشارع فاستوقفني بحرارة وسألني: ماذا فعلت مع الناس أنت؟ فوجئت لعل أمرا طارئا، سألته عن الأمر فقال: نزلت دراسة امنية عنك من فوق، وكل الذين سألهم الأمن عنك وضعوك فوق فوق، وأعتقد أنهم سيسلمونك موقعا مهما.
قلت له: أنا لا أطعم أحدا ولا أسقي أحدا، كل ما في الأمر أني أتعامل مع الناس بمحبة واحترام، وأخدمهم وأخدم المدينة بما أستطيع، والدراسة الأمنية ربما سببها رسالتي للرئيس، واطمئن فمثلي لا يوضع في موقع.
وحين بدأت المحنة ورافقها طبعا أزمة الغاز والخبز وغيرها، أقسم أنه حتى الزعران الذين كنا نخافهم في الشارع كانوا يؤمّنون لنا الغاز والخبز إلى البيت. أناسنا رائعون، فقط يحتاجون قسطا من الحب والاهتمام.
كانت هيلانة صاحبة بيت من الطراز الأول، وصاحبة دُبّار كما يقولون، ومُربّية حقيقية صارمة. كانت تُخبئ من كل شيء، من دخان ومتة وبعض المأكولات، وفي لحظة الزنقة والانقطاع تنقذني بشكل مفاجئ وجميل، وأحيانا يأتينا ضيف في ساعة متأخرة ليلا فأرتبك لأن المحلات مقفلة، وخلال نصف ساعة لا تعرف من أين خلقت كل هذه الأشياء وقدّمت عشاء غنيّا ومتنوّعا للضيف. وأنا قدّرتها وأعززتها، فكانت صاحبة قرار في كل شيء، وآمرة الصرف، وثاني امرأة تقود سيارة في عدرا، حتى زاويتي كنت أنتهي منها على الكمبيوتر وأقول لها: أنا مرهق، دققيها وابعثيها للجريدة. وفي الصباح أفاجأ بحذف فكرة مهمة فتثور ثائرتي على رئيس التحرير وإذ هي تضحك، فأسألها لماذا تضحكين؟ فتقول أنا حذفتها حتى لا تُخلق لنا مشكلة. يا ألله كم من المخافر التي تتناسل في دماغك إضافة لما هو موجود.
على امتداد كل هذه الصحارى، ورغم كل مواسم المطر كانت مواسم القحط هي السائدة، ولم تنبت الخضار. كل مواسم الأمطارالعاقرة، لم تُنبتْ سوى المزيد من الأسئلة، والمزيد من الغموض. يا لهذه السماء الموحلة. وحدها نبتة الخوف استمرت تنمو وتتسامق حتى أصبحت شجرة على شكل أخطبوط، لفّتنا ولفّت الوطن معنا.
من رواية «تقرير إلى غودو» (تحت الطبع) للكاتب السوري فواز خيّو