اللوحة: الفنان البولندي تجيسـلاف بيـشينيسكـي
سليم الشيخلي

أتوسل إليك لا تغمضها، أتريد أن تنهي رحلتك كلوح ثلج تجره عربة ظهيرة في شارع صيفي؟ استرخ، خذ نفساً عميقاً واترك سطراً لأكتب عليه مرثية بدماء الذين قتلوا غيلة، تمهل وامنحني مساحة أتقيأ ما لم أقو على همسه، خذ منه شيئاً وازرعه أينما حطت رحالك عله يصير.
أعرف أنك لا تحيد عن سكرتها التي تطوقك، فبر بوعدك أن تموت بطريقة مختلفة أيها الواقف بين ركام المسرح، مت شهيداً كي تدخل مرثيات العصر الرمادي فالموت البارد قبضة ريح. عندما تحركت أحذية العسكر أدخلت نفسك سجنك، وعندما رحلت أمي كان لك موعد مع صمت مهزوز وتعرف أن لا محطة في طريقك فلماذا ترقد فزاعة مهملة.. سترحل؟ تتركنا مهانين وترحل؟ يستفزنا ظلنا إذا استطال المساء فيدخلنا جحورنا كالأرانب! تسحقنا الطرقات الغريبة على الباب لننكمش مهزومين.
بالأمس لم نذق طعاماً وعندما عادت هدى مساءً تحمل أكياساً تركتها وسط الغرفة وراحت في سبات طويل. لم اسألها من أين ؟ كيف ؟ لماذا ؟ لأننا شبعنا تلك الليلة.
لا تصبغ شفتيك بالأزرق، أعرني جزءاً منه لأغفو بحرية، أجد وقتاً أعيد ترتيب خارطة جسدي، أكنس الزجاج المتناثر في الذاكرة.
لم تسأل أخي عن سر هرب زوجته المفاجئ وتركها لطفلتين محشورتين في علبة صفيح تحولتا داخلها إلى حشرات أليفة، وأخي إلى جدار مشروخ.
حرك إصبعاً لأحس أنك ما زلت الرقم الأول في بطاقة التموين، حركه لأرسل معك شهادات بكل لغات الدنيا لثلاثة أجيال مقموعة، تكسر فيها الإنسان وأصبح جملة حزينة في النشيد الوطني.
لم تدمع عيناك حين أنزلت ولدي رمسه، كنت كتلةً جامدةً تنظر للبعيد، لم تتحرك مثلما كنت عنيداً وتتهم من قتلوه بحجة نقص الدواء بل صببت غضبك على أمه التي شقت زيقها ونحبت. خرجت تلك الليلة لأبكي في حانة الفقراء بعد أن تهدم الكبرياء والكأس الثالثة، جسد ولدي والمبادئ المحترقة كأعواد قصب يابس. لم تنظر إلي عدة أيام لأني تركت نفسي تسرجني، أذعنت مضطراً لأسير على قدمي من جديد، لم لم تصنعني نبياً أتحمل وزر الآخرين، أصنع لهم صليباً كبيراً من قصب النايات. ها أنت تصفي حساباتك، سترى أي خطا ارتكبت حين لم تعلمنا الجنون. أخفيت كتبه عنا لنصبح ألواحاً في قنطرة بعيدة لن تصل الضفة الأخرى.
كنت أراك في طفولتي نهراً بلا ضفاف.. أميناً على مجراه والآن ساقية جافة، فأين الثورة التي وعد بها المؤمنون.
أغمض عينيك، لا تأخذ نفساً إصبغ شفتيك بكل الألوان، إرحل لأتعلم من موتك جنوناً جديداً يكفيني زوادة لما تبقى من الطريق ولأصنع غيماً يبلله متى أشاء.