خالد جهاد

عبقري فذ صاحب موهبةٍ فريدة تميزت بنبوغها وصدقها ورهافة إحساسها وانتمائها الشديد إلى بيئتها وأصولها، فصنعت من الفن وبالفن قصة حياتها وحياة الكثيرين حتى باتت أعماله بمثابة وثيقةٍ لحقبةٍ هامة من تاريخ تونس الحديث، والكثير من الفئات التي أرخت لوحاته لوجودها، فكان ممن حملوا بفطرية موهبتهم اسم تونس إلى الأعالي ليصبح أحد أيقوناتها.. المبدع التونسي الراحل عمار فرحات.
ولد (فرحات) عام ١٩١١ في مدينة باجة التونسية وانتقلت أسرته في سنوات طفولته من ريفها الهادئ إلى العاصمة تونس، شأنها شأن الكثيرين من الأهالي الذين اقتلعتهم سلطات الاحتلال الفرنسي من بيئتهم وأرضهم الأصليّة خلال حقبة العشرينات من القرن لِتُحِلَّ محلّهم المستوطنين الفرنسيين، وكبر بين حزنين هما اليتم والفقر وهما ما منعاه من الحصول على حقه في التعليم، فلم يحظ إلاّ بالقليل منه في (الُكتّاب) حيث لم تسعفه الظّروف بدخول المدارس العموميّة أو الخاصّة، مما اضطره إلى مواجهة مصاعب الحياة ومتطلباتها في سن ٍ باكرة متقلّبا بين شتّى المهن الصّغيرة مثل بيع الثّمار، العمل في مؤسسة التّبغ الحكوميّة أو العمل في المخابز، ولعل هذه المرحلة الصعبة من حياته كانت هي المحرك الرئيسي لبزوغ موهبته فكان دقيق الملاحظة عميق التفكير واسع الأفق، حيث لم يقتل الفقر بداخله إحساسه بالفن والناس وكل ما حوله، بل دفعه إلى الامتزاج ببيئته على تنوع مكوناتها ورصد خصائصها لتصبح محور أعماله، فكان الاستماع إلى أغاني الفونوغراف التي كانت تبثّها المقاهي في الأحياء الشّعبيّة وسيلته الأولى لاكتشاف العالم من حوله، فوجد في فنّ كبار المطربين الشّرقيين سلواه كما اتّخذ البعض منهم نماذِجَ لرسومه الأولى واستمر ولعه بهم حتى نهاية حياته..
وتتسم رحلة عمار فرحات بالعصامية، فقد تدرج في اكتشاف نفسه وموهبته الفطرية التي بدأت في طفولته عبر اللهو بالتّصوير على الجدران بالفحم ثمّ اتّجه إلى رسم الفنّانين نقلاً عن صورهم الفوتوغرافيّة، كما كان يطوف بها على المقاهي لبيعها وهي طريقة تسويق مُبْتَدَعة لم يمارسها غيره من الفنّانين، ثم قاده الوعي بأوضاع الطبقة الفقيرة آنذاك إلى إنجاز رسوم للكادحين كالحمّالين وباعة الرّصيف وغيرهم، فغلبت الرّؤية الواقعيّة على تصوير الشّخصيات والمشاهد الشّعبيّة المُستلهمة من محيطه، وظل بعيداً عن تقديم مظاهر الحياة المترفة التي لا تستفز بداخله شغف الفنان، فعلم نفسه بنفسه دون أن يدخل أي مدرسةٍ فنية ودون أن يتتلمذ على يد أحد كبار الفنانين الذين أصبح لاحقاً واحداً منهم..
وبدأت تتشكل هويته الفنية والثقافية والإنسانية بقرارٍ منه عندما اختار الرسم كوسيلةٍ للتعبير عنه عام ١٩٣٥، وهو البداية لاعتبار الفن اختيار العمر الذي مشى لأجله درباً طويلاً اتضحت معالمه في العام ١٩٣٧ عندما ظهر لأول مرة كرسامٍ معترف به من قبل (الصالون التونسي) من خلال عرض لوحتين مائيتين من لوحاته، ولتتوالى من بعدها النجاحات التي بدأت تدخل مرحلةً أكثر جديةً واحترافية عند عرض المزيد من انتاجاته ضمن معرضٍ جماعي عام ١٩٣٨، حيث بدأت تجربته وطريقته وخطوطه في اكتساب المزيد من النضوج والثقة والتمكن في استخدام تقنيات الرسم الزيتي، فقد كان يثقف نفسه بارتياد قاعات العروض الفنيّة وملاحظة عمل غيره من الفنّانين الأجانب والتّونسيين، وكانت تلك خطوةً هامّة جذبت إليه انتباه كبار الرّسّامين أمثال موزس ليفي (الذي تأثر به بشكلٍ خاص في بدايته وهو فنان مالطي من أصول تونسية) وبيير بوشيرل (مؤسس مدرسة تونس الفنية عام ١٩٣٦) ورئيس الصالون التونسي (أليكسندر فيشي) الاشتراكي التوجه والمعروف بمعاداته للذّهنيّة الاستعمارية، مما جعله يسعى في إقامة أول معرض شخصي له في مقر جريدة (Le Petit Matin) وتعني الصباح الباكر عام ١٩٤٠ حيث تعتبر هذه الخطوة محطةً هامة في مسيرته، فحقق المعرض نجاحاً باهراً توجهت الأنظار على أثره إلى موهبته بتقديرٍ كبير أسفر عن انتخابه كمفوض أو معتمد للصالون التونسي لدوراتٍ عديدة قامت بتثبيت أقدامه وتجربته على الساحة الفنية والثقافية يوماً بعد يوم، كما عززت موقعه ضمن الحركة الفنيّة التّونسيّة عامّة وفي إطار جماعة (مدرسة تونس) بشكلٍ خاص، وهي مدرسة للرسم على غرار (مدرسة باريس) وامتازت بالواقعية ونقل صخب الحياة ويوميات الشارع التونسي كما عملت على استخدام الثيمات الثقافية القديمة كالخط العربي، والرموز البربرية، والأمازيغية، والفينيقية بل وكذلك الصحراوية، وانقسمت الآراء حولها بين الكثير من الرؤى التي اعتبرتها استشراقية وأخرى اعتبرت أنها ساهمت في تأريخ الواقع التونسي المحلي إلى جانب الكثير من وجهات النظر..
والتحق بها الفنان (عمار فرحات) عام ١٩٤٩ بعد الحرب العالمية الثانية وحصل على الجائزة الأولى للرسم في تونس، وهو ما كرّسه رساماً ويسّر له الانتقال إلى باريس، حيث تعرف هناك على الأوساط الفنية ومن ثم عاد إلى وطنه ليقضي حياته متفرغاً للرسم، وقد كانت تجربته مصدر إلهامٍ كبير للجيل الذي تلاه من الرسامين التونسيين، فكان صاحب رؤية وفلسفة في الفن والحياة وتميز بأسلوبٍ شيق لا يخلو من الود والدعابة ولا يغيب عنه التواضع، ويذكر أنه حاز على جائزة الرسم الفني والجائزة الوطنية للأعمال الفنية، كما حاز على الجائزة الكبرى للفنون عام ١٩٨٤ وتم إصدار العديد من الطوابع البريدية التذكارية تقديراً له ولأعماله، وقد رحل عن عالمنا في الثاني من آذار/ مارس عام ١٩٨٧ بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والأعمال الفنية المتميزة..
لكن المتأمل لأعمال (عمار فرحات) سيجد أكثر من مجرد حالةٍ يتماهى فيها الفنان مع بيئته، بل نجد أنه وضع في كل لوحة شيئاً من عذاباته وطفولته المبكرة، وكأن كل واحدةٍ منها تمثل مشهداً في فيلمه الطويل الذي تشارك أحداثه مع الناس، ولا يخلو رغم بهجة العديد من صوره من مسحةٍ حزن يحاول التحايل عليها، وتتجلى في اختياره للألوان الداكنة واعتماد الإضاءة الخافتة عدا عن سير معظم الأحداث ضمن مساحاتٍ ضيقة ومغلقة حتى ضمن أعمالٍ تمثل الاحتفالات الشعبية وحفلات الزفاف التقليدية والطقوس المصاحبة لها، وبرغم إقامة (فرحات) في الريف لفترة قصيرة من حياته إلاّ أن له حضوراً مميزاً بين أعماله التي تسجل تفاصيله بدقة وتنقل ملامح الناس وأزيائها وتحجز مكاناً بارزاً لأصحاب البشرة السمراء من أبناء البلاد وللنشاطات الاجتماعية المرتبطة بهم وبامتزاجهم بمختلف فئات الشعب الأخرى، كما أن هذه اللوحات وثقت لوجود الكثير من المهن التي انقرض بعضها أو أوشك على الانقراض بفعل التطور الصناعي الذي تسبب في تراجع الحرف اليدوية..
ويمكننا القول أن (فرحات) كان من محبي حالة الترابط الاجتماعي التي كانت تميز تلك الفترة، مما جعله يعبر عنها بحبٍ شديد لا يختلف عن رؤيته لدور المرأة التي يصورها في مختلف جوانب حياتها ومراحلها العمرية كمحركٍ رئيسي للأحداث وليس كشخصيةٍ هامشية مما يجعلها تتصدر بطولة العديد من أعماله، وبرغم هذا التنوع بين الشخوص والحكايات إلاّ أن هناك دوماً ما ينقصها من الداخل، فنلحظ باستمرار تلك النظرات التي يشوبها شيءٌ من الانكسار ويجعلها تتجنب تلاقي الأعين وكأن هناك جرحاً عميقاً يمنعها من ذلك حتى في ذروة فرحتها، وهو ما يميز موهبة (عمار فرحات) التي أحبت من رسمتهم بصدقٍ جعله يعبر عنهم ببراعةٍ خلدت لوحاته وشكلت صورة تونس الأصيلة التي انحاز إليها في أذهان عشاقها وعشاق ثقافتها التي أصبح أحد أيقوناتها..






