شيركوه بيكَس.. الشاعر الذي حمل أحلام الغابة

شيركوه بيكَس.. الشاعر الذي حمل أحلام الغابة

اللوحة: الفنان الكندي ماثيو وونغ

بعدما كبرت

رأى معصم يدي اليسرى 

الكثير من الساعات

لكن قلبي لم يفرح لواحدة منها

مثلما كان يفرح وأنا طفل

حين كانت أمي 

تترك بأسنانها 

ساعتها على يدي!*  

هل يصنع الثراء الثقافي، وتلاقي الحضارات واختلاط الأعراق مثقفين حقيقيين يحملون هَمَّ مجتمعاتهم وأوطانهم على العواتق مسافرين بها وعابرين للقارات؟

كان طفلاً 

يطالع أحلام الغابة 

يشم الضوء بعينيه

يسمع أجراس ألوان الطبيعة!

كان لزاما لطفل نبت في أسرة ربها شاعر مناضل، وربتها من رواة الأساطير والشعبيات أن ينشأ حساسا عبقريا، وأن يرث منهما ما يؤهله لنبوغ مبكر، إنه الشاعر الكردي شيركوه بيكَس الذي ولد في سليمانية العراق لأب شاعر اشتهر بنضاله ووطنيته، ومناصرته لقضايا المرأة، وأم تعشق الكردية بأساطيرها وأغانيها وحكاياتها الشعبية، وتيمنا بالشجاعة والنضال أطلقوا عليه اسم «شيركوه بيكَس» الذي يعني بالعربية، أسد الجبل الوحيد.

أنا (الأسد) في عش اسمي

لكنني لا أرغب بجهرة الأسد

لأنه شرس وعدواني

كنت أود أن يكون في اسمي

الغزال أو الجدي أو المهرة 

أنا لقبي أيضا بلا أحد

وهذا أيضا لا يعجبني!

عاش حياته في السليمانية شمال العراق، ودرس في مدارسها الابتدائية والمتوسطة، ثم التحق بثانوية الصناعة المهنية، لكنه أظهر منذ غضاضته ميلاً شديداً نحو الشعر، وانخرط في صفوف المقاومة والحياة السياسية مبكرا، مما كان له أثر كبير في حياته، حيث وضع تحت الإقامة الجبرية عدة سنوات مما اضطره في النهاية إلى الخروج من بلاد عشقها ودافع عنها.

جبال من الأسئلة المستعصية

تطفو على وجوه الكرد

هناك في كردستان 

تعب النهر من الركض وراء البحر

وتعبت الكلمة من الجري

وراء القصيدة

والشاعر

يشبه حصانا أسود وحيدا

عرفه خصلة نار

وصهيل مبلل بالانكسار

غادر شاعرنا إلى إيطاليا بدعوة من لجنة حقوق الإنسان في فلورنسا في عام 1987-1988، وعند حصوله على جائزة (توخولسكى) الأدبية من السويد عام 1987، سافر إلى هناك وطلب اللجوء السياسي، وفي نهاية عام 1990 سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد الانتفاضة الجماهيرية في كردستان عام 1991 عاد إلى السليمانية مرشحا نفسه على قائمة الخضر كشاعر مستقل، فأصبح عضواً في أول برلمان كردي، كما أصبح أول وزير للثقافة في الإقليم، ثم استقال من منصبه ليعود مرة أخرى إلى السويد متفرغا لعمله الإبداعي الذي تمخض عما يقرب من 35 ديوانا شعريا، وترجمت أعماله لعدة لغات عالمية.

أردت أن أبعث إليكم 

بقبلة عن طريق هذه القصيدة 

ولكن حين ترجمت

شوهوا قبلتي 

فأصبحت كنسمة عرجاء.

شاعر الإنسانية والطبيعة

اصطبغت بداياته مثل كثير من الشعراء في عصره بالصبغة الحماسية ذات الطابع السياسي المغرق في الضجيج والخطابة، لكنه بعدما تمكن من أدواته الفنية، تحول لكتابة الملاحم والمطولات، ثم جنح إلى كتابة النصوص الموجزة المكثفة، ولم يجد ضالته إلا في كتابة النص المفتوح، في نص «الكرسي» يصور لنا كيف عاد لأصله الشجرة، ليستمتع بحياته النباتية، ورغم بساطة ما يبدو عليه، إلا أنه نص يبث فيه الشاعر رؤاه الفلسفية، وتصوراته الفكرية، ونظرته للحياة.

كرسي هرم قصير،

ضامر الكتفين،

محبوب بجبينه العريض

وذراعيه النحيلتين،

شاحب القسمات،

أجردُ،

صحته حديد، ومفاصله سليمة..!.

كرسيٌّ حالمٌ مرتبك.

في رأسه

يتبرعم الوجع مسماراً

كعمر اليأس

لا يبرح الكرسي.

أحياناً يغير مكانه،

من هذه الزاوية إلى تلك الزاوية،

من هذه الجهة إلى الجهة الأخرى.

لكنه، أبداً..

لا يروح للشارع

لا يمضي للسوق

فقط، يجول بعينيه المكان.

ولعمره المديد،

يسع الجميعَ حضنُه.

وهو شاعر الإنسانية والطبيعة، شاعر الإحساس والتشخيص، يأخذ المتلقي على جناح شعره بلغة سهلة معبرة؛ ليجتاز به المفازات إلى عالم من الحكايات والخيال، فيحاور الأشياء ويؤنسنها، فنسمع معه قصصها ومصائرها، فنغطبط لها أو نحزن معها، فها هي شجرة تعاتبه لنسيانه غصنها: 

لم يكن عمداً..

ولا أدري لماذا؟

في كتابة قصة شجرة

نسيت غصناَ مذبوحاً

 كي أذكره

ليلاً وفي حلمي

جاءت الشجرة إلى داري

قالت: أخي عتاباً

أتكتب عن شجرة 

دون غصنها 

الكبير الضحيّة!

وها هو يصف مأساة محبرة آثرت الموت على الحياة؛ لأن مغتصبها استغل ما تمنحه من منفعة ليأسر الحرية:

محبرة خضراء

رمت بنفسها من فوق رف

وبعد دفنها

عثروا في علبتها على قصاصة

كتب عليها:

«لقد قتلت نفسي 

لأن أحد الأقلام

امتلأ بحبري عنوة..

كي يأسر سرباً 

من كلمات نيرودا المحلقة»

ولم يكن الشعر لديه ترفا، ولا وسيلة للشهرة، بل كان رسالة يحمّلها تجاربه وأوجاعه، وقضايا الناس وآلامهم، ومعاناتهم في سبيل لقمة العيش، ويهتف به في وجه الظالم، ويبث الأمل في نفوس المتعبين:

لم أكن أعرف الغناء

ولكن الفقراء علموني إياها

ولم أكن أعرف الغضب

ولكن الظالمين علموني أن أغضب

لم أكن أعرف الحب

ولكن الأنهار علمتني أن أحب

ولم أكن أتقن كتابة الشعر

ولكن العشاق

والأيدي والأصابع المتشققة الخشنة

والأقدام الحافية للفلاحين

علمتني إياها

ولو لو يكن هناك موت 

فإني كنت من أجلهم أموت..!

إن القارئ لقصائد شيركو بيكَس، يلتمس مدى بساطتها وسهولتها، لكنه عندما يتأملها يرى كم هي محملة بالمعاني العميقة، إنها السهل الممتنع فكم يتأتى للشعراء كتابة مثل تلك؟ إن البساطة في تلك الأشعار تشبه بساطة الحقيقة، وبراءة تساؤلات الأطفال:

حين وضعت أذني فوق قلب الأرض

سمعته يحدثني عن عشقه الأمطار

وحينما وضعت أذني فوق قلب الماء

سمعته يحدثني عن حبه للينابيع

وحين وضعت أذني فوق قلب الشجرة

سمعته يحدثني عن حبه للغصينات

وحينما وضعت أذني فوق قلب الحب نفسه

سمعته يحدثني عن الحرية!

إنه شاعر يشبه العشب البري الذي ينبت على صفحات الصخور، ونباتات الجبل كلما تيسرت لها سبل الحياة أورقت وأزهرت، وأينعت ثمارها، ورغم التناقضات والقلق والحيرة التي سادت حياته منذ الطفولة، لكنه كان يحلق في سماء الشعر بحرية؛ فجاءت كلماته ملأى بالموسيقا والحياة:

على سلالم الخوف

كان الظلام ينزلق كلص بهدوء

الى أعماقي

ولما وصل إلى السويداء 

رام شيئا ما

وعلى حين غرة

أشعلت حبك

فاحترق الخوف والظلام فيه!

وكما يحين لكل شمس أن تغيب، غابت شمس شاعرنا، لاذ بالصمت كما كان يحلو له أحيانا أن يلوذ به، مشعلا سيجارة تلو الأخرى، متفكرا سائحا في خيالات أفكاره، لكن هذا الصمت الأخير هو صمت الأبدية والذهاب في رحلة المجهول إلى أقصى غاية.

في هذا الجبل..

حائرة هي الشجرة،

أتهرب، أم تبقى متسمرة؟

في هذا النهر..

حائر هو الماء،

أيستحيل إلى رطوبة، أم بخاراً؟

في هذه الدرب..

حائرة هي القدم،

أتتراجع، أم تستمر؟

في هذا البستان..

حائر هو الطائر..

أينكفىء، أم يحلق؟

في هذه اللحظة..

حائرة هي كلماتي،

أتكمل هذه القصيدة، أم تتركها لكم؟

فلأتركها لكم.


*أحد النصوص التي اعتمدت في المناهج الدراسية في إقليم كردستان

شيركو بيكَس

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.