اللوحة: الفنان الفلسطيني محمود صادق
هناء غمراوي

عدت الى مدرستي التي تلقيت فيها دروسي الابتدائية الأولى بعد أكثر من عشرين سنة، وكان قد مضى على التحاقي بمهنة التعليم في ملاك وزارة التربية اللبنانية، حوالي عشر سنوات. نفس غرف الصفوف التي تنقلت بينها طفلة بجديلتين ومريلة من الكتان، ذات اللون البيج الطحيني، الذي تحول الى اللون الكحليّ فيما بعد عندما بلغت الصف الخامس الابتدائي؛ وكان حينها أعلى صف في تلك المدرسة، حيث تابعت بعدها دراسة المرحلة الإعدادية في ثانوية البنات في طرابلس.. في نفس تلك الغرف التي شهدت طفولتي وامتلاكي لناصية الحروف والكلمات؛ صرت أتنقل بين تلميذاتي أغدق عليهن من العلم الذي حصّلته، ومن الحب أضعاف ذلك.
حين عدت للتدريس في بلدتي ومسقط رأسي، البداوي كانت مدرستي قد تحولت الى مدرسة إعدادية وذلك بعد استملاكها للطابق الثاني الذي كان المالك سابقاً يستخدمه كسكن له ولعائلته، ومن ثم تم بناء طابق ثالث بهدف زيادة عدد غرف التدريس والحصول على قاعة خاصة بمادة المعلوماتية لتعليم التلميذات مبادئ التكنولوجيا التي كانت قد دخلت برامج التعليم آنذاك ولتدريبهن على استعمال الحاسوب، وتشاء الظروف أن تتعين مدرِّسة جديدة في نفس المدرسة بعد انتقالي اليها بحوالي خمس سنوات ؛ حيث كنا ندرّس معاً اللغة الفرنسية في المرحلة المتوسطة.
تلك كانت هلا ابنة مدرستي نوال التي كانت ذكراها ما تزال محفورة في وجداني، ولم أعرف أنها ابنتها إلا بعد مرور سنوات حين سألتها إن كان لها قريبة اسمها نوال؟ وذلك لربطي بين اسم العائلتين لأنني لم ألحظ أي شبه بينهما، عنيت مدرستي نوال وابنتها هلا التي أصبحت زميلتي فيما بعد، سوى لون البشرة.
فقد كانت هلا أطول قامة وربما كان للحجاب الذي تضعه على الرأس دور في إخفاء لون الشعر. كنت قد أتممت لتويّ عامي الثامن بداية العام الدراسيّ حين دخلت الصف الثاني الابتدائيّ في مدرسة البلدة.
معلمتان احتلتا ذاكرتي في تلك السنة؛ ست جاكلين مدرسة اللغة الفرنسيّة، وست نوال مدرسة اللغة العربيّة، ولا أعرف كيف مُسحت من ذهني ذكرى باقي المواد ومن درّسها لي ذلك العام الدراسيّ. ست جاكلين كانت خفيفة السمرة معتدلة الطول على امتلاء، أما شعرها فكان أسود فاحماً، ولا أذكر أني رأيت وجهها يوماً بغير زينة، كانت تزيده جمالاً، أما ست نوال، مدرسة اللغة العربيّة فكانت نحيلةً، تميل قامتها إلى القصر، وكذلك كان شعرها أسود، ويغطي أذنيها بالكاد. وكانت تستقر على وجهها الهادئ نظارتان تخفيان شيئاً من الحزن والحزم في آن، وربما تلك الصفات هي التي جعلت أغلب التلميذات لا يظهرن لها الكثير من المودة؛ إلا أنا، فقد نشأت بيني وبينها علاقة ودّ جعلتني أحفظ ذكراها عشرات السنين.
من ذكرياتي التي لا تمحي مع الست نوال انها كانت تعهد لي بإدارة الصف خلال حصة الإملاء العربيّة (كان الدوام اليوميّ مختلفاً حيث كان يمتد من الثامنة صباحاً وحتى الرابعة بعد الظهر، تقطعه استراحتان: واحدة قصيرة قبل الظهر في الملعب، وأخرى طويلة للغداء) وغالباً ما يكون دوام حصة الإملاء العربيّة بعد الظهر.
كانت المعلمة (ست نوال) تعطيني كتاب القراءة العربيّة، وتعيّن لي النصّ المطلوب، ثم تطلب مني تقسيم اللوح طولياً إلى قسمين وغالباً ما كانت تعهد بالمهمة إلى أكبر التلميذات في الصف سناً، وأطولهن قامة، ومن ثم كان يتم اختيار تلميذتين بالتتالي لكتابة النص الذي كنت أمليه عليهما بالطبشور الأبيض. وعندما تنتهيان، أختار تلميذتين أخريين لتصحيح النص المكتوب وذلك باستخدام الطبشور الملون. وهكذا حتى تنتهي الحصة البالغة ساعة كاملة دون أيّ تدخل من “الست نوال” التي كانت تجلس على كرسيّها أمام مكتبها، وتضع رأسها فوق ذراعيها على الطاولة وقليلاً ما ترفعه لتعرف ماذا يدور.
لا أعرف حتى اليوم سر تلك الثقة، التي كانت توليني إياها علماً أنني كنت أصغر التلميذات سناً. والحق يقال إنني كنت رغم حداثة سني على قدر تلك الثقة، فقد كانت قراءتي للغة العربيّة صحيحة بدون أغلاط، أما صوتي فكان جهورياً يملأ قاعة الصف. ذلك الصوت الذي بت أشكو من علوّه فيما بعد وصرت أتمنى أن يكون حديثي همساً خافتاً ولا أحسن ذلك.
لعلّ “الست نوال” مهّدت لي بهذه التجربة الطفوليّة لتكون مهنة التدريس هي مهنة المستقبل، والتي هربت منها إلى دراسة الحقوق لأمارس مهنة المحاماة! ثم ما لبثت أن عدت إليها بعد سنتين، وقبل أن أنهي دراستي الجامعية في الحقوق نتيجة ظروف عائليّة خاصة، وقد مارست في حياتي مهنة التعليم لأكثر من عشرين سنة قبل أن أتولى مهام النظارة ومن ثم الإدارة المدرسيّة.. نحن في الغالب نحاول أن نملك أقدارنا ونسيّرها نحو الوجهة التي نريد، ولكن غالباً ما نراها قد استقرت في مكان آخر، في مكان ليس بالضرورة أن يكون أسوأ مما كنا نظن أو نتمنى.