اللوحة: الفنان العراقي خيري السومري
عبدالناصر عليوي العبيدي

بــغدادُ طــيفُكِ فــي الأحداقِ يعتكفُ
يــكــادُ يــقتلُني الــتهيامُ والــشغفُ
قــد بــاتَ حــبُّكِ كالأنفاسِ في رئتي
مـــعَ الــشهيقِ رذاذاً راحَ يُــرتشفُ
يــا أمَّ هــارونَ أخــفيتُ الهوى زمناً
والــيومَ جــئتُ بــهذا الحبُ أعترفُ
مــا عدتُ أقوى على كَتْمِ الهوى أبداً
إنْ مــرَّ ذكــرُكِ كادَ القلبُ ينخطفُ
صــهيلُ حــبكِ لــمْ يَــهجعْ بأوردتي
كــأنَّ نــارَ الغضا مرَّتْ بِها عُصُفُ
جــمالُ عــينيكِ يــا بغدادُ يــسحرني
لــقدْ تَــغَنَّتْ بــها الأخبارُ والصحفُ
كــلُّ الــعراقِ أصــيلٌ فــي عــراقته
فــي كــلِّ قِطعةِ أرضٍ تَبْرُزُ التحفُ
كركوكُ والموصلُ الحدباءُ تَأسرُني
تــكريتُ والــحلةُ الــفيحاءُ والنجفُ
وفــي الــحويجةِ أهــلٌ كــلُّهُمْ شَــمَمٌ
مــاصَانَعُوا حاكِماً يوماً ولا ازْدلَفُوا
هــلْ ألــتقيكِ ويَروَى القلبُ مِنْ ظمإٍ
وهــلْ ســتجمعُنا الأقدارُ والصّدفُ
لــقــدْ أضــعناكِ يــا بغدادُ وا أســفي
بــعدَ الــضياعِ بــماذا يــنفعُ الأسفُ
إنَّ الــحُسَافةَ في الأرجاءِ قد كثُرتْ
مــتــى الــحُسَافةُ يــابغدادُ تــنجرفُ
مــتى سيذهبُ عنكِ الزيفُ مرتحلاً
ومــا تــبقّى مــن الأدرانِ يــنشطفُ
ويــنــتهي الــشرُّ لا ظِــلٌّ ولا أثَــرٌ
ويــرحلُ الــحَيفُ والأوغادُ والجِيفُ
قــد طــالَ نــومُكِ والأحوالُ مخزيةٌ
ونالَ من صيدكِ الطاعونُ والأَزَفُ
حــانَ الــنهوضُ فهبّي مثلَ عاصِفةٍ
فــينجلي الــليلُ والأغباشُ والسَّدَفُ
وتشرقُ الشمسُ في الأرجاءِ ساطعةً
لابُـــدَّ لــلــغَمَّةِ الــســوداءِ تــنكشفُ
يــا قلعةً فــي مــهبِّ الــريحِ صامدةٌ
مــا هــزَّها سَــقَمٌ يــوماً ولا شَظَفُ
هي الأساسُ ومَنْ مرّوا بِها عَرَضٌ
لابُــدَّ لــلعارضِ الــمنبوذِ يــنصرفُ
ودجــلةُ الــخيرِ كالشّريانِ في جَسدٍ
لــكــلِّ نــاحــيةٍ جَــدبــاءَ يــنــحرفُ
وصــوتهُ الــعذبُ كالألحانِ من وترٍ
إذا تــغنَّى يــميسُ الــنخلُ والــسَعَفُ
كــأنَّ زريابَ في قصرِ الرشيدِ شدا
لــصوتهِ طَــرِبَ السُّمَّارُ وانعطفوا
دارُ الــسلامِ مُــذِ الــمنصورُ أنشأها
كــأنَّها الــسّيفُ فــي وجهِ العدا تقفُ
كــشوكةٍ في حُلُوقِ الكاشحينَ غَدتْ
مــامرَّ ذكــرٌ لــها إلّا وقــد رجــفوا
خــيولُ مــعتصمٍ فــي الكرخِ صافنةٌ
والصيدُ ناطرةٌ في الصَّفِّ ترتصفُ
حــيّا الــهمامُ جــيوشَ الفتحِ مبتهجاً
والــعزُّ يــتبعُهُ والــفخرُ والــشَّرفُ
وصــاحَ لــبَّيكِ يــا أخــتاهُ وانتظري
مِــنَّا الــزحوفَ لرأسِ الشرِّ تقتطفُ
من يومِ ذي قارَ والأسيافُ مُشْرَعةٌ
فــالغدرُ شــيمتُهمْ والــطّبْعُ يــختلفُ
مــن يومِ ذي قارَ باتَ الحِقدُ يسكنُهمْ
مــا راقَهُمْ أنَّ فــيهِ الــعُرْبُ تنتصفُ
لَــمْ يَــرْعَوِا الــقَوْمُ مِنْ أسلافِهمْ أبداً
فــي الــقادسيةِ ريشَ الكِبْرِ قَدْ نتفوا
لكنْ مَضَوا وهَوى الشيطانِ يَدْفَعُهُمْ
نــحوَ الهلاكِ غَواهُ الكِبْرُ والصَّلَفُ
فــفــاجــأتْهُ بــــضــربٍ مــا تــوقّعهُ
وبــاءَ مِــنها بــكأسِ الــسّمِّ يــغْتَرفُ
والأحــمقُ الــغِرُّ والأحــقادُ تــدفعُه
أتــى بــجمعٍ مِــن الأوغــادِ يــأتلِفُ
قــدْ ضَــمَّ كــلَّ صَــفيقٍ تــافهٍ حَــنقٍ
وكـــلَّ لــصٍ ولــلإجرامِ يــحترفُ
لا شــــيءَ يــجــمعُهمْ إلّا نَــذالــتَهمْ
عــن كــلِّ مكرمةٍ بيضاءَ قدْ عَزَفوا
وغــابَ عــن ذهــنهِ مِنْ أنّنا عَرَبٌ
نــظــلُّ بــالــعزةِ الــقعساءِ نــتصفُ
إنّ الــشــهادةَ بــعــضٌ مــن ثــقافتِنا
مــضى على نهجها الأبناءُ والسلفُ
يـــا درَّةَ الــعُرْبِ يــا نبراسَ عــزتِهم
لــكمْ تــغنوا بــذاكَ الــمجدُ كم هتفوا
فــهي الأبــيّةُ دومــاً فــي تَصَوُّرِهم
مــنها الــوفاءُ لــكلِّ العربِ قد ألفوا
مــتى ســتخلعُ ثــوبَ الحزنِ غاليتي
وبــالبياضِ عــروسُ الــمجدِ تلتحفُ