اللوحة: بورتريه للشاعر عبد الله البردوني بريشة الفنان علاء الدين البردوني
عبد الرقيب الوصابي

البردوني شاعر مستقبلي من كل الوجوه، لا لأنه غير مفهوم القصيدة عند معاصريه ولكن لأنه استبطن فترة من العصر امتدت من سابقتها وارتبطت بلواحقها إلى الآن، فعصر شعره كل العصر بل هو كل العصور “لأن زمن المبدع لا يتحدد بعمره” وإنما بمسافات رؤيته وبعد سبره للتجربة البشرية وصورتها في الزمان والمكان وانعكاسها على حدس الشعر وحساسية الشاعر..
يقول الشاعر/ البردوني في قصيدة “وحدة الشاعر”:
كيف أنسى الأمس واليوم ابنه
والغد الآتي وليد الحاضر
ويقول كذلك من قصيدته” زوجة البلد”:
تمحص الآمس كي ترى
من ربى اليوم بعد غد
والبردوني شاعر يتقن الإمساك بلعبة الزمن ومن خلال إلمامه بالأزمنة الشتى نراه يبدع أفضل الجديد ويطور خير القديم وعبر تجوابه العصور يجسد المأساة ويهتك أقنعة الطغيان ويحلم نيابة عن الكادحين والمعدمين بيوم الخلاص وهو ما يجعل يوم القصيدة – عنده – لاحق بأمسه’ وكذلك حال المستقبل ينتمي بجلاء إلى مستقبلياته فيستبصر الشاعر ما هو أبعد. يقول الشاعر من قصيدة “السفر إلى الأيام الخضر”:
يرحل النبع للرفيف ويفنى
وهو يوصي تسنبلي يا رفاتي
سوف تأتي أيامنا الخضر لكن
كي ترانا نجيئها قبل تأتي
وهنا أكاد أجزم أن الشاعر/ عبدالله البردوني ينطلق من حقيقة معينة في “تفهم الزمن” تقول إنه إذا كان الماضي مشتركا بين كل الناس فإن المستقبل- لا محالة – مشترك بينهم كذلك، لأنه جاء من الماضي المشترك الجمعي، وإذا كان تاريخ الماضي ميسورا بفضل المدونات والمرويات، فإن تاريخ المستقبل غير عسير بفضل رصد أحداث الحاضر المتطور عن الأمس أو المعاكس لتغيرات الأمس التي ستمتد عكسيا أو طرديا إلى المستقبل، إذا يستدعي كل عصر من الحاجات ما لا يستدعي سابقه، وكل ما تحن له الحاجة يحدده التطور وهكذا تتحرك الأزمان جراء تحرك التطورات الإنسانية فيها أو للصنع الزمني في ذلك التحرك..
فالماضي باق ببقاء صيغته، فهو زمن التكون والانصهار والانطباعات الأولى بالتجارب والأحداث وسلطته دائمة التسلط، حتى وقت التفكير بالخروج عليها فإن ذلك يكون منا بسبب حضورها وحتى كراهيتها فإنها بسبب محبتها أو بسبب الحب العكسي لها يقول الشاعر في قصيدة “قراءة في كف النهر الزمني”:
هل يبنيني إدراكي
أني من أصلي مهدوم
هل يشفي من أزماني
ترديدي أني مأزوم
….
ما لا يجري مفهوم
الجاري غير المفهوم
فجوهر الماضي سبب في حماية نفسه وسبب تجاوزه في الآن ذاته يقول الشاعر من قصيدة “السلطان والثائر الشهيد”:
السطح إلى الماضي ينمو
وإلى الآتي ينمو الأعمق
من ظلمته يأتي أبهى
كي يبتكر الأبهى الأعرق.
ولعل الاشتراك الجمعي في الماضي والاحتماء به هو سبب تغذية صراع الحاضر بقصد تكريس الماضي يقول الشاعر البردوني
في قصيدته “عام بلا رقم”:
كل مجرى فصوله
حدث يقتفي حدث
زمن القحط إن سخا
عزز الغث بالأغث
وبمقايسات الشاعر ورد الأشباه على نظائرها نجد أن الأزمة الوجودية تكمن في العصر الحاضر، حاضر بلا رقم قرب الأبعاد المكانية إلى حد التماس، والتماس إلى حد الخوف. والمخاوف عصر رديء وبلا نوعية وزمان عدمي لا تتضح فيه الفوارق بين الأشياء، عصر تتساوى فيه قيم السلب والإيجاب يقول البردوني في قصيدته “عراف المغارتين”:
في الزمان الخلو من معناه، لا
يبغض البغض، ولا الحب يحب
لا تسلي عادة التلفاز، لا
يسكر السكر ولا الطب يطب.
وإذا كان الماضي يكون بتشديد الواو وكسرها الفرق ويعبئها بتجارب المقاومة والدفاع، والحرب المضمرة فحينئذ يكون الحاضر وبلا أدنى شك ميدانا للصراع والتصارع والاقتتال خاصة إذا اختزل الزمن الحاضر العصور كلها في زمن ثقافة واحدة وثقافة زمن واحد طويل المسافات متعدد العصور يقول البردوني:
ما لا يجري مفهوم
الجاري غير المفهوم
ولعل الإيحاء هنا واضح فما لا يجري هو الماضي المعروف بثباته وثوابته وركوده وهو مفهوم ومقدور عليه، غير أن المأساة تكمن في عدم فهم وإدراك الزمن الجاري والمرواغ وهو الحاضر وما يتسم به من رداءة توجب العدوات والاقتتال يقول الشاعر:
في قصيدة “رواغ المصابيح”
إن كان من زوروا أنيابهم قبلا
يعطون حبا فما هن العدوات
قالوا لكل زمان آية’ صدقوا
هذي الشظايا لهذا العصر آيات.
وعند هذا التحول يبدو الحاضر المعيار الأكيد لترجيح النزعات المشتركة بين كل الناس فإما النمو السطحي باتجاه الماضي أو النمو الأعمق باتجاه المستقبل وهموم الغد وهو ما يجسده البردوني في قصيدة “السلطان والثائر الشهيد” قائلا:
السطح إلى الماضي ينمو
وإلى الآتي ينمو الأعمق
من ظلمته يأتي أبهى
كي يبتكر الأبهى الأعرق.
لكن المأساة_ حتما_ تتصاعد وتنمو بفداحة نحو الاستلاب الكلي حين تغيب سيادية قرار الحاضر لتطفو سلبية اللحظة الراهنة وهذا التحول الزمني يفضي إلى القتل والقصف والطغيان والامتهان يقول البردوني:
كان عصر الطغاة يعطي ويردي
جاء عصر الغزاة يردي ويسلب.
ويقول كذلك من قصيدة “توابيت الهزيع الأخير”:
لماذا الأنام اثنان في كل بقعة
على الأرض مبطوش به ثم باطش
لأن الزمان اثنان: حرب وهدنة
وسر الوفاق اثنان ماح وراقش
حتى يقول:
ويا زاحمين الأرض والجو والقوى
أما للقلوب الآدميات هامش.
إن إعمال الفكر ورصد حركة الأحداث بما يتساوق مع الوقوف على الأسباب وسبر أغوار التفاصيل ومقايسة أحداث الحاضر بمثيلاتها ونظائرها في كلتا الحالتين طرديا وعكسيا سيقود الشاعر إلى قراءة المستقبل والتنبؤ بما هو أبعد كمجي علوج الروم وغاياتهم في سلب الأوطان يقول البردوني في قصيدته “أبو تمام.. وعروبة اليوم” يقول:
واليوم جاءت علوج الروم فاتحة
وموطن العرب المسلوب والسلب.
واستبصار كل الماورائيات كنتائج يهتدي إليها من يبتكر طرائق للربط الجيد بين الماضي والحاضر إيذانا بقراءة لا تخطئ للمستقبل لكن اليوم/ الحاضر لن يطول على حاله هذا فهو ساعات معدودة تفضي إلى غيرها وهذا التحول في الزمان هو طريق المستقبل إلى “الأيام الخضر- مدينة الغد” والطريق إلى الغاية جزء منها يقول الشاعر البردوني:
اليوم يصبح أمسا بعد أمسية
ما أسأم العمر لو لم تحدث الغير
قبل العصافير يخضل الربيع لمن
أتى، لمن سوف يأتي يطلع الثمر.
وهموم الغد مرهونة بإرادة الجميع وهموم المستقبل مشتركة في كل العصور وكل الطبقات وبمقدورهم صياغة مغايرة للمستقبل وفصول تاريخه الذي يشترك في كتابته اليوم والغد والبشر متى هم أردوا ذلك يقول البردوني من قصيدة “بيت.. في آخر الليل” يقول:
من خارج التقويم جاء الذي
ما شم رياه خيال الخيال.
وتجاوز ذلك وأزيد لا سيما عند قدرة الوصول إلى ذروة اعتصار العصور والسفر الدائم منها وإليها وسبر العوالم اللامرئية وقراءة المستقبل عبر الخيال والدهشة الشعرية:
فلا الأمس قبل اليوم لا اليوم بعده
ولكن جرت بالتسميات العوائد.
ربما لا يعادل نزوع شاعرنا/ البردوني أي نزوع آخر لمحاولة اكتشاف المستقبل واختزال الزمن للإفادة من فرصه الخضراء والابتعاد عن تكرار اعتوارات الماضي والحاضر.
وما أشبه الليلة بالبارحة..