اللوحة: الفنانة المجرية إلكا غيدو
نهلاء توفيق

حملّوه حقيبةً فيها ماء وكسرات خبز قبل أن يودعهم، يسير وطلباتهم ترن في أذنه: أوراق ثبوتية، هويات، عقود، وأشياء كثيرة ثبتوها في ورقةٍ كيلا ينسى.
لم يحس بصعوبة الطريق ولا لعثراته فوق أكوام الأحجار، ولم يجع حتى، هو يحس بأنه في حلم العودة للحيّ الذي تركه نازحاً مع من سلم منهم. دخل أول ما دخل بيت أهله، الدمار مرعب يا أبي، بكى، ناداه صوت أمه من داخل الركام فاحتضنه، لا تبك يا ولدي.. ألم تموتي وأخي الرضيع؟
– يا ولدي لم نمت، تعال أغني لك أنشودة الحياة بعد الممات كما كنت زمان.
– الأنشودة اختلفت أمي، ولها عبق عطر!
– خذ هذا الشوال ولدي، وضع فيه هذا العطر، وضحكتي، وحلاوة ضمي لصدرك.
***
التالي كان بيت خالته وزوجها العجوز الذي لا ينفك يسعل حين الكلام.. ألم تختنقا سويةً فدفنتكما بيديّ؟ رد وقد زال عنه سعاله: لا يا أحمد، نحن الذين دفنّاكم وأسعدنا بالحياة، وها هي خالتك ستقدم لك العصير مع الكعك الذي تحبه مثل كل مرة.
حمّل شواله طقطقات الكؤوس وقبلة خالته وبعض الحنان قبل أن ينتقل إلى دار عمه، استقبلته بنفس الثوب، وعطره الأخاذ.. أما زلتِ تمسكين بالوردة؟ من سنين عدة قطفتها لكِ بنت العم! ألم يغتصبوكِ ويرمون بك خارج الأسوار؟ ردت والبسمة المعهودة على شفتيها الورديتين: لازلت بكراً، خذ شم وردتنا، ستخبرك بصدق قولي.
عبق الوردة كان كثيراً جداً، فأخذ مساحة في الشوال أحس بثقله.. المشاوير كثيرة والضحكات والآهات والأصوات تملأ الشوال فلا يكاد يسعها، عندها قرر العودة.
***
قُصم ظهري يا أبي الحمل ثقيل يا أبي، أبي..
– ولدي، ما بك؟ ولماذا تأخرت كثيراً؟ أين ما أوصيناك به؟
– الشوال ثقيل يا أبي!
– عن أي شوال تتحدث؟ لا يوجد معك شوال١ بعثناك لتحضر لنا ضرورياتنا، فأين هي بربك!
– قتلتني يا أبي، أنا.. كلهم هناك كانوا ينتظرونني ليملؤوا لي الشوال.. الوردة يا أبي، عبقها أثقل الشوال! لا أحدثك عن ضمة أمي والنشيد، النشيد قد تغير أبي، طقطقة الكؤوس وصدحات الضحكات قصمت ظهري أبي خذوا عني حتى أقوى على الوقوف.
– لا حول ولا قوة الا بالله! مؤكد مُسّ الولد، قلت لكم قلبه ضعيف، وأمس كان يكتب شعراً عن الذكريات، لم تأخذوا بقولي!