هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان الفرنسي جين جوليان
صديقي، أنعم النظر، يحكى أن طاعون الجنون نزل في نهر يسري في مدينة، حيث كان يجن كل من كان يشرب من هذا النهر، فشرب منه الجميع وأصابهم الجنون، إلاّ الملك والوزير، الملك يسأل الوزير عن أحوال الرعية فيجيبه الوزير، مجانين يا مولاي ويتهموننا بالجنون، الملك يقول للوزير: لكن هم من شرب من النهر وهم المجانين، فيجيب الوزير، مولاي أنا وأنت ما نحن إلاّ حبتا رمل، هم الأغلبية، هم من يملكون العقل، هم من يصنعون الحد الفاصل بين الجنون والعقل، فقال الملك: إذاً إليّ بكأس من نهر الجنون، أن الجنون أن تظلّ عاقلاً في دنيا المجانين.
صديقي، ربما تعرف هذه القصة، لكن استمع للذي لا تعرف، أتذكر صفاء؟ قد كنت تقول: عنها أسمٌ على مسمى وين نحنا وين هي، والدنيا حظوظ الآن لو رأيتها لما عرفتها, باتت أسم بدون مسمى، دخلتُ إلى أحد المتاجر، وإذ هي فيه وكأننا على موعد سلمت عليها وطلبتُ منها مرافقي إلى البيت، فلبت دعوتي على الفور، في الطريق كنا نتكلم ونتذكر ونضحك، في البيت أعدننا القهوة وجلسنا وتبخر الكلام! سألتها، منذ قليل كنت على ما يرام, فما الذي حدث لك الآن؟ أخذت رشفة من فنجانها وابتدأت كلامها بـالدنيا مليئة بالمشاكل، ضحكت وقلت: اكتشاف عظيم. لكنها لم تعر لكلامي أيّة أهمية وتابعت، أتذكرين سلمى؟ سلمى زارتني منذ سنة وتحدثت لي عن مشكلتها، ابتسمت وهممت بالكلام, انتفضت وقالت: لا تقاطعيني ولا تبتسمي, أنا فقط كنت أريد أن أسألها أكل هذا التعب من أجل سلمى؟ ومنذ سنة أيضاً! فقلت: هاتي ألقي أتعابك وأتعاب سلمى بجعبتي وكأن جعبتي فارغة.. كان ذلك في الأول من نيسان وقد هيأت نفسي لأن أقابل كل شيء بلا مبالاة كي لا أخذل بحماقة.
تابعت حديثها ولم أكن ألقي بالاً للحديث لأنني في نهايته سأسمع منها أنها كذبة أول نيسان، لكنها استرسلت وطال الحديث فأنصت حتى لا أشعر بالملل، قلت لسلمى كم مرّة قلت لك لا تتركي ساحتك فارغة منك فإن تركتها فارغة منك ستدخل إليها أيّة كانت وبهذا يكون لزوجك مبررات، وفكّرت، إذاً مبررات وليست أسباب, والفرق شاسع، أي من أراد أن يفعل شيئا يبحث له عن مبرر! أما عندما نقول سبباً، هذا يعني إذا تماثلت الأسباب فبالضرورة ستتماثل النتائج عند الجميع.. انتبهت إلى جملة من كلامها وقلت: أعيدي لم أفهم، فقالت: هي, هي قالت لا يروح فكرك لبعيد فسألت، على ماذا قالت: تقصد بأن زوجها لا يريد أن يتزوج من تلك الصبية والموانع كثيرة, ولكنه يطلب من سلمى أن تأتيه برقم جوال زميلتها.
صديقي، الذي استنتجته في النهاية بأن زوج سلمى استلطف صبية وهي صدته عدة مرات, فكان إصرار زوجها أكبر فمن العار أن تقول له أيّة كانت: لا فقالت صفاء لسلمى: بدك تأكلي عنب واللا تقتلي الناطور، فقالت سلمى: آكل عنب طبعاً، وتابعت صفاء، قلت لها أعطيه الرقم وما هو المانع, فإن أراد التحدث معها فليكن أمامك وليس من وراء ظهرك وأنا هنا لا استهتر بمشاعرك, لكن الذي فهمته منك أنه يصرّ عليها لأنها صدّته، وتأكدي بأنه سيملها عندما يصل إليها. دعيه يرتب أوراقه فإن تدخلتِ وبعثرت أوراقه سيستغرق فترة أطول في ترتيبها.
وشعرتُ بأني ألقي محاضرة, فغيرت وجهة الحديث وقلت: يا مجنونة أثبتي له أنك تحبينه وتحبين أن تريه سعيداً، يوم ويمر، شهر شهران أيضاً يمران، فأنت قلتِ لا يوجد أفق لهكذا علاقة، فوقعت كلماتي عليها كوقع كف لم تتوقعه، لكنني تابعت: أتصل خفة عقلك أن تغاري من قطعة حديد؟ وكلمات تُكتب أو تقال من بعيد وهل لها أن تروي الظامئين، فقط جربي، لكن سلمى قالت: لا, لا أريد.
صديقي،خرجت من صمتي وصفقت وقلت: كذبة أول نيسان! لكنها رمقتني بنظرة اخترقت عظامي وقالت بتهكم وسخرية: أشعر بالندم لأني أشكو همي لك، فرددت بنفس الأسلوب، وما هو همك، صديقتك أسرّت لك وأنت قدمت النصيحة لها وانتهى الأمر, مشكلتك هي تكبير المشاكل، فردّت، أنا بالعكس أصغر المشاكل, كلهم هكذا غدّارون خائنون، لا يفكرون إلاّ من خلال غرائزهم، أيا كان يلاحق زيل المرأة التي تعجبه, وإذا صدّته يعتبر ذلك ذلّا وإهانة ولا يعتبر أن الذل هو في ملاحقتها, وإذا صدّته هذه فغيرها كثيرات يتمنينّ ذلك، فهل تحوّل عينيها إلى رادار لترصد حركات زوجها والغانيات؟
صديقي، لم أقتنع بهذا الانفعال وهذا الكلام فقلت: هل ستغيرين العالم؟ لهم مشاكلهم ولنا مشاكلنا.. فضربت الطاولة بكلتا يديها مما بعثر ما كان عليها وأجهشت بالبكاء، فقمت لفوري أجمع ما قد تبعثر وتركتها لتهدأ، لكنها لم تهدأ, مسحت أحدى عينيها وتركت الأخرى تزرف ربما لتكون شاهداً على ألمها وقالت: قطعة الحديد هذه كالجمر تكويني تؤرقني تضرب ظهري بسوط يخترق الجلد واللحم والعظم ليصل إلى القلب فيدميه.. وهنا أدركت أنها تتكلم عن نفسها.