الشاب الوسيم

الشاب الوسيم

اللوحة: الفنانالروسي مـارك شاغـال

عندما كنت في منْتَصف الثلاثينيات، جَمعتْني مناسبة مع أصدقاء ومعهم شخصية أزهرية شَهيرة وجليلة في بلدنا، وكان لا يعرفني، وأثناء الجلسة نظر إليَّ فجأة وقال لي: “ما رأيك أيها الشاب الوسيم؟”.. فرددت عليه برأيي ثم انتهى اللقاء.

عدت إلى زوجتي ورويت لها ما حدث؛ فضَحِكت كثيرا وطويلا؛ ومن يومِها وهي تَتَنَدَّر بهذا الوصْف كلما أرادت السُخْرية مني.

وأنا على مَشارف الخَمسين؛ قلت لها إنني أرى نَمَشا في ظهر يدي، ما رأيك؟ هل يحتاج الأمر إلى “كريم” أو أذهب إلى الطبيب؟ قالت لي وهي تَضْحك: (لا أيها الشاب الوسيم، هذا ليس له علاج، هذا يسمى عِندنا أعراض الشيخوخة)، ثم أعطتني ظَهرها وانصرفت وهي تُطلق ضحكاتها المُجَلجِلة.

وعلى مشارف الستين لاحظْت أنني كلما نظرت إلى المرآة أسْتغرب نفسي، أجد عيني اليسرى مُنْسَدِلة الجفن، تَعجَّبْت وظننت أنها ظاهرة مرتبطة بالضغط الدَموي، ولكنها تكرَّرت حتى أصبح هذا شكلي الطبيعي.

فسألتها: فقالت وهي تبتسم ابتسامة مفهومة وحَذِرَة؛ (الشيخوخة تدق بابك ثانية أيها الشاب الوسيم)، فأخذت الموضوع باستخفاف، ثم ذهبت لطبيب العيون، أخبرني أنَّ الجِفن يزداد كثافة مع تقدم السن، وأنْ الأمر قد يحتاج جِراحة تجميل، ضحكت وعُدت لبيتي وأنا أقول لنفسي: “راحت عليك” أيها الشاب الوسيم.

وهكذا الدنيا تسوقنا وتعمل في جسدنا، وانفعال الجسد وانطباع آثار الحياة عليه ليس فيه مجاملة ولا يتأخر، ثم مرت الأعوام سريعة.

اليوم كثيرا ما أشعر بتشابه كبير بيني وبين جحا.كان جحا يَسوق عشرةَ حَمير وهو مُمتطي أحدها، وعندما يقوم بالعد وهو فوق الحمار؛ يَنسى الحمار الذي تحته فيعدّهم تِسعه، فينزل ثم يقوم بالعد فيجدهم عشرة، وقام بتكرار هذا العمل صعودا ونزولا منْ على ظهر الحمار مرات عديدة؛ ولم يهتد إلى سِر هذا الحمار اللعين الذي يَظهر ثم يختفي، وأخيرا قرَّر أنْ يَمشي بجانب الحمير حتى يحتفظ بالحمار الناقص.

في هذه الأيام وخاصة في الصباح بعد الاستيقاظ، أشعر في نفسي وكأنني من أهل الكهف، ثم أنظر للمرآة فيتأكد لي هذا الظن، وأنا أشاهد سِحنة عجوزة ومسكينة، تثير الشفقة وتَسد النفس، لم تعد المِرآة تريحني بعد اليوم.

يَصعب تَصديق هذه السرعة التي أصبحت فيها (جَد) و(متقاعد) وفي مرحلة الهشاشة الجسدية والصحية.

الغريب أنني عندما لا أنظر إلى المرآة أتعامل نفسيا وبتقمص وكأنني في العشرينيات، ثم سرعان ما يَنشب تفاعل في صدري ويَتغلب عليَّ شعور من فَقَدَ تِسعَة حمير؛ وليس حمارا واحدا مثلما ظنَّ جحا، أجلس لأقوم بالعد.. أعد ما مر من عمري.. أعد حميري.

الستينيات- السبعينيات- الثمانينيات – التسعينيات- العشرة الأولى في القرن الواحد والعشرين- العشرة الثانية. وها أنا في بداية العشرينيات من القرن الواحد والعشرين.

يا خبر اسود!.. أيه ده كله!.. كل ده عَدَّى وفات! وأقْتَنِع للحظات بأنني عِشت طويلا وأخذت حقي وزِيادة ولم يضحك عليَّ الزمان، وأنني أنْفقت بالفعل كل هذه الحمير.

ثم أسهو.. وأمتطي الحمار لأتجاهل تلك الحِسبة السخيفة، وأحطّم كل المرايا كي أستريح وأنسى، ولكن تُطَبْطِب عليَّ فكرة أن العمر ليس بالسِنين، وأقول لنفسي: “وهل للأدباء عند الله غير الجنة!.. ربنا يُوعدنا”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.