من طرائف الشعراء

من طرائف الشعراء

جولييت المصري

اللوحة: الفنانة الامريكية تريش بيدل

عندما كنت أبحث عن قصص طريفة للشعراء، وقع البحث على شاعر لم يشتهر إلا بقصة واحدة، تتبعتها فلم أجد بين الروايات اختلافا، رغم أنه يخامرني بعض الشك في مصداقيتها، ولم أستطع الوصول إلى جذورها، أو أول من رواها، لكنني سأنقلها هنا لطرافتها كما أسلفت القول، إنها قصة الشاعر صاحب تلك الأبيات:

إنّ حظّي كدقيق ٍ

فوقَ شوكٍ نثروهُ

ثمّ قالوا لحُفاةٍ

يومَ ريح ٍ اجمعوهُ

صعُبَ الأمرُ عليهمْ

قلتُ يا قوم ِ اتركوهُ

إنّ من أشقاهُ ربِّي

كيفَ أنتم تسعدوهُ؟

إنه الشاعر السوداني إدريس جماع، الذي ولد بمدينة الخرطوم عام 1922 م، سافر إلى مصر في أربعينيات القرن العشرين، ودرس في معهد المعلمين، ثم التحق بكلية العلوم جامعة القاهرة، وتخرج منها عام 1951 م، ثم حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها، وعمل في تدريس اللغة العربية.

وقد لقب شاعرنا بابن النيل، لعشقه نهر النيل وجمال الطبيعة التي كانت من صنع هذا النهر، كتب أشعاراً وطنية وغزلية، وشهد له قراؤه أن أسلوبه يتسم بالرقة والعذوبة وجمال الوصف، يقول الشاعر في قصيدة غزلية له:

شاء الهوى أم شئت أنت
فمضيت في صمت مضيت
أم هز غصنك طائر
غيري فطرت إليه طرت
وتركتني شبحاً أمد
إليك حبي أين رحت
وغدوت كالمحموم لا أهذي
بغير هواك أنت!

ويقول في قصيدة أخرى مصورا لوعة الحب وألم الفراق:


في ربيع الحب كنا
نتساقى ونغنى
نتناجى ونناجى الطير
من غصن لغصن
ثم ضاع الأمس منى
وانطوى بالقلب حسرة
أننا طيفان في حلم
سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر
ولكن ما ارتوينا
انه الحب فلا تسأل
ولا تعتب علينا.

أما عن قصته الطريفة التي أشرت لها في البداية، فيقال إن الشاعر المسكين عشق امرأة حد الجنون، لكنه لم يتزوجها، فجن قلبه وذهب عقله، ووقع فريسة الآلام النفسية، فقرر الأهل إرساله في رحلة علاجية إلى لندن، وأثناء انتظاره في المطار، حسناء برفقة زوجها، يبدو عليهما أنهما حديثا عهد بالزواج، ففتن بها، ولم يرفع ناظريه عنها، فاشتعل الزوج غيرة، وتوجه إليه يوبخه في عنف، وينهاه عن التحرش بها بنظره، وكادت أن تشب بينهما معركة، فما كان من إدريس إلا الرد عليه شعرا فقال:

أعلى الجمال تغار منا؟

ماذا علينا إذا نظرنا؟

هي نظرة تنسي الوقار

وتسعد الروح المعنَّى

دنياي أنتِ وفرحتي

ومنى الفؤاد إذا تمنى

أنتِ السماء بدت لنا

واستعصمت بالبعد عنا.

فلما سمع الأديب عباس محمود العقاد هذه الأبيات أعجب بها، وسأل عن صاحبها، فقيل له إنه شاعر سوداني ينزل الآن في مصحة للعلاج النفسي، فقال فيه عبارة ربما كانت سببا في شهرته، والتصاق لقب الشاعر المجنون به، قال: «هذا مكانه، لعمري، لا يكتب مثل هذه الأبيات إلا مجنون، هذا الكلام ﻻ يستطيعه ذوو الفكر» 

ولم تقف حكاية شاعرنا عند هذا الحد، بل يقال إنه لما نزل في المشفى اللندني، كانت تشرف عليه ممرضة بارعة الجمال، فأعجب إدريس جماع بعينيها، وكلما دخلت إليه يظل مثبتا نظره إليهما، فشق ذلك عليها وآذاها، فشكته لرئيسها الذى نصحها بارتداء نظارة سوداء، ففعلت ذلك، ولكنه عندما رآها أنشد يقول:

السيف في غمده لا تخشي بواتره

وسيف عينيك في الحالين بتار

وعندما أخبروا الممرضة بما قاله في عينيها من شعر أجهشت بالبكاء، ويعد بعض النقاد هذا البيت أنه من أبلغ أبيات الشعر في الغزل في العصر الحديث.

توفي إدريس جماع عن عمر ناهز الثامنة والخمسين في عام 1980 م، ولم يصدر له غير ديوان واحد بعنوان: «لحظات باقية» 


إدريس محمد جَمَّاع شاعر سوداني له العديد من القصائد المشهورة والتي تغنّى ببعضها بعض المطربين السودانييّن، وأُدرج بعضها الآخر في مناهج التربية والتعليم المتعلقة بتدريس آداب اللغة العربية في السودان.

«في ربيع الحب» – إدريس الجماع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.